رئيس مجلس الإدارة: أحمد همام
|
رئيس التحرير: عادل البكل
العربية
تقارير

كيف تتبع الذباب الفاكهي الروائح في الهواء المضطرب

كتبت: بسنت الفرماوي

تتطلب عملية تتبع الروائح في الهواء المضطرب قدرة عالية على تحديد الاتجاه وذاكرة حادة. يقوم الذباب الفاكهي، أثناء بحثه عن ثمرة فاسدة أو رفيق، بالتنقل اعتمادًا على حاسة الشم. في البيئة الطبيعية، تتسبب الرياح المتقلبة في تشتيت هذه الروائح في كتل غير منتظمة، حيث تختلط خيوط كيميائية كثيفة مع هواء نظيف. يواجه الذباب تحديات كبيرة في العثور على مصدر الرائحة، إذ يتلقون الروائح بنمط متقطع نتيجة تغير الاتجاهات، من دون ضمان تلقي رائحة جديدة.
لم يكن لدى العلماء فكرة واضحة عن كيفية تمكن الذباب الفاكهي من إدارة هذا الإشارة المعقدة، خاصةً وأن حجم دماغه لا يتجاوز حجم الدبوس. لوقت طويل، اعتبرت البيولوجيا أن نموذج “التدفق والصد” هو النموذج الأكثر دقة، حيث كان يُعتقد أن الحشرات تستخدم ردود فعل مبرمجة مسبقًا لحل هذه المشكلة. كان يُفترض أن الذبابة تتابع الرائحة حتى تختفي، ثم تتحرك ذهابًا وإيابًا لتعيد إيجادها.
لكن فريقاً يقوده عالمة الأعصاب فانيسا روتا من جامعة روكفلر أظهر أن الذباب الفاكهي يقوم بشيء أكثر تطورًا. كان العائق الرئيسي في نموذج التدفق والصد هو عدم قدرته على تفسير كيفية تتبع الحشرات لرائحة تتفاعل على مسافات طويلة. غالبًا ما تكون الإشارات الكيميائية العائمة في الجو نادرة وغير موثوقة، مما يجعل اختبار آلية التوجيه عبر الشم أمرًا معقدًا.
قامت روتا وفريقها بتصميم تجربة خاصة لدراسة كيفية استشعار الذبابة للرائحة. تم تثبيت ذبابة (Drosophila) فوق كرة صغيرة تطفو على وسادة من الهواء في الظلام التام. أثناء مشي الذبابة على سطح الكرة، كانت دوراناتها توجه فوهة تنفث تيارًا ثابتًا من الهواء تجاه هوائياتها. هذا الأمر خلق انطباعًا بأن الذبابة تتحرك عبر حقل مفتوح.
استخدم الباحثون خل التفاح لتزويد تيار الهواء برائحة متغيرة بناءً على وضع الذبابة. بهذه الطريقة، تمكن الباحثون من التحكم بدقة في شدة واتجاه الرائحة. اختبروا أولًا نموذج التدفق والصد، ولم يكن الأداء جيدًا. في تجربة تم فيها توفير تيار مباشر من الخل، لم تتبع الذباب في المنتصف كما كان متوقعًا، بل اتجهوا نحو أحد الحواف، مما أدى بهم للقيام بعملية متكررة.
عندما لعقت الذبابة الرائحة، كانت تدور وتجري عائدة إلى الحافة. لاحظ الباحثون أن الذباب يقضي وقتًا أكبر في خارج تيار الرائحة، رغم أن معظم تقدمهم نحو المصدر كان يحدث خلال تلك اللحظات القليلة التي اختبروها داخل الرائحة. استخدم الفريق مصطلح “تتبع الحافة” لوصف هذه التقنية.
اكتشف العلماء أيضًا أن الذباب لم يكن يتبع تدرجًا عائدًا للرائحة، كما كان يُعتقد في البداية. بل حتى عند عكس التدرج، واصل الذباب تتبع الحافة بنفس الطريقة. استخدم الباحثون ذبابًا تم تعديل جيناته بحيث يمكن للضوء تنشيط خلايا الشم مباشرة. وبالفعل، كان بإمكان الذباب تتبع حافة هذا الشعاع الضوئي بشكل دقيق.
صدم الباحثون عندما اكتشفوا أن الذباب، عندما لم يكن هناك أي رائحة، استمر في التوجه نحو المكان الذي كان من المتوقع أن تكون فيه الحافة. وهذا يعني أنهم كانوا يتبعون ذاكرة مخزنة ما زالت توجههم نحو المصدر المتوقع. استمر الفريق في البحث عن هذه الذكريات الشمية واكتشفوا أن جزءًا من الدماغ يُدعى “المجمع المركزي” يعمل كنقطة توجيه.
من خلال التصوير الفلوري، حدد الفريق الخلايا العصبية التي تصرف كالبوصلة للذبابة. كانت هذه البوصلة مرتبطة بالرياح، بغض النظر إن كانت الذبابة في الرائحة أو خارجها. لكن هذه البوصلة كانت مجرد جزء من اللغز. وللعثور على الرائحة، تحتاج الذبابة إلى هدف—ذاكرة تحدد ما تبحث عنه.
استكشاف الذاكرة الشمية تتطلب فيما بعد تجربة إضافية لترقية ذاكراتهم. أخيرًا، يؤكد الباحثون أن الذبابة ليست مجرد نموذج تقليدي، بل تقدم رؤية معمقة حول كيفية تنفيذ المهام الحسية لدى الكائنات الحية.

يمكنك قراءة المزيد في المصدر.

لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.