تواجه فرنسا أزمة مركبة تهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي، حيث وصل الدين العام إلى مستوى قياسي بلغ 4 تريليونات دولار. يتزامن هذا التدهور المالي مع ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي وتصاعد الاحتجاجات الطلابية التي تعبر عن استياء واسع من مستوى الخدمات العامة، في وقت تزداد فيه الانقسامات السياسية قبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
تفاقم الدين العام والضغوط المالية
بلغ الدين الوطني الفرنسي نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وتجاوزت تكلفة الاقتراض الحكومي الجديد نظيرتها في دول مثل إيطاليا واليونان. وقد ساهمت التدابير الاقتصادية خلال جائحة كوفيد-19، التي أقرها الرئيس إيمانويل ماكرون، في زيادة العبء المالي، حيث بلغ عجز الميزانية 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، مما أضاف 335 مليار دولار إلى الدين العام في عام واحد. كما خصصت الحكومة 95 مليار دولار إضافية في عام 2022 لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة عقب الحرب الروسية على أوكرانيا.
احتجاجات الشباب وإخفاقات الخدمات العامة
شهدت البلاد مظاهرات واسعة نظمها طلاب المدارس الثانوية، انطلقت من ضواحي باريس وامتدت إلى مختلف أنحاء فرنسا. وطالب المحتجون، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً، بتحسين قطاع التعليم ومعالجة مشاكل اكتظاظ الفصول وتدهور المباني ونقص المعلمين. ورغم إنفاق فرنسا نحو 100 مليار دولار سنوياً على التعليم، إلا أن ربع هذا الإنفاق يذهب لتغطية معاشات تقاعد المعلمين بدلاً من تطوير الخدمات التعليمية الحالية.
الجمود السياسي وإصلاحات التقاعد
تستنزف المعاشات التقاعدية نحو ربع الإنفاق الحكومي، بجانب ربع آخر لدعم الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية وإعانات البطالة. وقد واجهت إصلاحات نظام التقاعد التي طرحها ماكرون في عام 2023، والتي شملت رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً، معارضة شعبية كبيرة، حيث رفضها أكثر من 70% من المواطنين. وقد أدت الانقسامات بين الأحزاب اليسارية والوسطية واليمينية المتطرفة إلى عرقلة جهود خفض الإنفاق العام.
اختبار الميزانية والانتخابات المقبلة
يواجه رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو تصويتاً برلمانياً حاسماً في 20 أكتوبر بشأن تدابير الميزانية المقترحة لعام 2027، والتي تهدف لخفض العجز السنوي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبرز مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، كمرشحة قوية في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، وسط تساؤلات حول قدرة استراتيجيات اليمين المتطرف على معالجة المشكلات الهيكلية للإنفاق في البلاد. ويظل التحدي الأساسي في قدرة المؤسسات السياسية على تنفيذ إصلاحات مستدامة تضمن استقرار المالية العامة دون تعميق الانقسامات الاجتماعية.


