تحل في 23 أكتوبر الجاري الذكرى الـ 84 لاندلاع معركة العلمين الثانية عام 1942، التي تُعد إحدى أبرز المواجهات العسكرية الحاسمة في الحرب العالمية الثانية، إذ لم يتوقف تأثيرها عند حدود الصحراء الغربية في مصر، بل امتد ليغير موازين القوى في شمال أفريقيا، ويبدد طموحات ألمانيا النازية في التقدم نحو قناة السويس وموارد الشرق الأوسط.
مواجهة استراتيجية في الصحراء الغربية
دارت المعركة بين قوات الحلفاء، بقيادة الجيش الثامن البريطاني، وقوات المحور الألمانية والإيطالية، في محيط مدينة العلمين غرب الإسكندرية، خلال الفترة من 23 أكتوبر إلى 4 نوفمبر 1942، وانتهت بانتصار استراتيجي للحلفاء، شكّل نقطة تحول رئيسية في حملة شمال أفريقيا.
اكتسبت منطقة العلمين، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر غرب الإسكندرية، أهمية عسكرية استثنائية بفضل طبيعتها الجغرافية؛ إذ حدّ البحر المتوسط شمالاً ومنخفض القطارة جنوباً من إمكانية الالتفاف حول المواقع الدفاعية، ما جعل المنطقة ساحة مناسبة لخوض مواجهة واسعة النطاق.
نقص الوقود يعيق قوات المحور
على الرغم من الخبرة العسكرية التي امتلكها القائد الألماني إرفين رومل، الملقب بـ «ثعلب الصحراء»، واجهت قوات المحور أزمة حادة في الإمدادات، خاصة الوقود، نتيجة الصعوبات التي تعرضت لها خطوط التموين البحرية، والهجمات التي استهدفت نقل الإمدادات.
أثر هذا النقص بصورة مباشرة في قدرة الدبابات على المناورة والتحرك، بينما استفادت قوات الحلفاء من تفوقها في الإمدادات والقدرات العسكرية، إلى جانب الضغط المتواصل على مواقع المحور، ما أجبر القوات الألمانية والإيطالية على الانسحاب غرباً.
من العلمين إلى انهيار طموحات المحور في أفريقيا
مثّل انتصار الحلفاء ضربة استراتيجية لطموحات هتلر وحليفه الإيطالي بينيتو موسوليني، إذ أضعف قدرة قوات المحور على الاحتفاظ بمواقعها في شمال أفريقيا. ولم تقتصر أهمية الانتصار على المكاسب الميدانية، بل امتدت إلى تعزيز أمن مصر وقناة السويس، والحفاظ على أحد أهم خطوط الاتصال والإمداد البريطانية.
مع تقدم قوات الحلفاء في شمال أفريقيا، بالتزامن مع إنزال القوات الأمريكية والبريطانية في شمال غرب القارة خلال نوفمبر 1942 ضمن عملية «الشعلة»، ازدادت الضغوط على قوات المحور، وصولاً إلى استسلامها في تونس في مايو 1943، ومهدت النجاحات الطريق للعمليات اللاحقة في البحر المتوسط، ومنها غزو صقلية ثم البر الإيطالي، في تطورات ساهمت في سقوط نظام موسوليني.
تشرشل يلخص التحول العسكري
عكست نتائج المعركة تحولاً مهماً في مسار الحرب بالنسبة إلى بريطانيا، بعدما واجهت قواتها سلسلة من الانتكاسات. وفي تعليقه على أهمية الانتصار، قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عبارته الشهيرة: «قبل العلمين لم نحقق انتصاراً قط، وبعد العلمين لم نتعرض لهزيمة قط»، في إشارة إلى التحول المعنوي والعسكري الذي مثلته المعركة.
دروس عسكرية مستمرة
أظهرت معركة العلمين الثانية تأثير الإمدادات والقدرة على إدارة الموارد في حسم الحروب الحديثة؛ إذ لم يكن التفوق العددي في الدبابات أو كفاءة القادة وحدهما كافيين، بل أدت خطوط التموين وتوافر الوقود والتنسيق بين القوات دوراً جوهرياً في تحديد النتيجة. كما كشفت أن الموقع الجغرافي قد يتحول إلى عامل حاسم، وأن حماية الممرات البحرية وخطوط الإمداد لا تقل أهمية عن السيطرة على أرض المعركة نفسها.



