في قلب إسطنبول، يخفي "البازار الكبير" خلف واجهته السياحية الصاخبة عالمًا موازيًا لم يتغير منذ قرون، حيث تمارس ورش صغيرة حرفة صياغة المجوهرات والصاغة التقليدية التي ورثتها أجيال متعاقبة.
تاريخ يمتد لقرون
يعود تأسيس البازار إلى القرن الخامس عشر، حين وضع السلطان محمد الثاني حجر الأساس بعد فتح القسطنطينية عام 1453. توسع السوق عبر القرون ليشمل 65 شارعًا، و14 خانًا، ونحو 3600 متجر، ويستقبل اليوم قرابة 400 ألف زائر يوميًا.
أزقة تخصصية وحرفيون مخضرمون
توزعت الأزقة عفويًا وفق الحرف التقليدية، فحملت أسماء المهن التي تمارس فيها: المجوهرات، الفضيات، الجلود، وغيرها. يشير الصائغ المخضرم أوميت بيركسوي (78 عامًا) إلى أن الجدران الحجرية السميكة خلف الواجهات حرست روح البازار، وأن "القيمة الحقيقية والجمال الحقيقي" يكمن في ورش العمل الصغيرة للغاية تحت السطح.
متاجر عريقة وشراكات مستمرة
في خان "جواهر بدستني" الذي نشأ حوله السوق بشكله الحالي، مارس بيركسوي وزملاؤه التجارة على مدى نصف قرن، حلوا خلافاتهم وبنوا شراكات وصداقات طويلة، ونقلوا خبراتهم للأجيال الجديدة. من أبرز المتاجر التاريخية "أفرام" الذي يبيع الذهب الخام والمعادن الثمينة منذ عام 1882، ومتجر "إيبوك" للتحف الذي يديره غيتفارت تيمينيان (76 عامًا) بمساعدة إبراهيم خليل إييساراتش (63 عامًا) منذ عام 1865.
ورش الصياغة.. حيث تولد التحف
في مجمع "إيكيزلر هان" العائد لأربعينيات القرن الماضي، تتحول التصاميم إلى قطع من المعادن النفيسة. هنا أمضى سيفان هارونيان (54 عامًا) مؤسس ورش "صديكار" 46 عامًا في إتقان الحرفة، وأدخل ابنه أراس (25 عامًا) خريج الإحصاء تقنيات التصميم الحاسوبي إلى المشروع العائلي. شهدت هذه الورش تصوير مشاهد من فيلم "سكايفول" لسلسلة جيمس بوند عام 2012.
فن الترصيع.. دقة لا تضاهيها المصانع
يضع الخبير هرانت زورباس (66 عامًا) حجر ياقوت وزنه 12 قيراطًا في إطاره الذهبي باستخدام عدسة مكبرة، مفضلًا عينه المجردة على المجاهر الحديثة. يستقر الحجر محاطًا بصفوف دقيقة من الألماس، في لحظة يلخص فيها بيركسوي روح المكان: "أي خاتم مُنتج في المصانع يمكنه أن يضاهي هذا الجمال؟ إن روح البازار تتجلى هنا تمامًا".
أرقام تعكس الأهمية الاقتصادية
وفق بحث أجري عام 2017، يعمل في تجارة المجوهرات بالبازار 57 خبيرًا حرفيًا لتلبية احتياجات 532 تاجرًا ومحلًا متخصصًا في الذهب والمجوهرات، ما يجعلها النشاط التجاري الأبرز في هذا السوق التاريخي.



