لا تقتصر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في السودان وليبيا على إنهاء الصراعات الداخلية والتوصل إلى تسويات سياسية، بل تمتد إلى مستقبل الجماعات الإسلامية المسلحة وعلاقاتها بقوى خارجية، وما قد يترتب على استمرار نفوذها من مخاطر أمنية وبحرية واقتصادية.
تصنيف الإخوان السودانيين والارتباط الإيراني
رفعت الولايات المتحدة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ديسمبر 2020، قبل أن تصنف إدارة الرئيس دونالد ترامب، في مارس 2026، جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية عالمية مصنفة تصنيفًا خاصًا ومنظمة إرهابية أجنبية. واستند التصنيف إلى ارتباط الجناح المسلح الرئيسي للجماعة، لواء البراء بن مالك، بالحرس الثوري الإيراني وضلوعه في أعمال عنف جماعي ضد المدنيين.
يعود نفوذ الحركة الإسلامية السودانية إلى ثلاثة عقود من حكم عمر البشير، حين تمكنت شخصيات مرتبطة بها من ترسيخ حضورها داخل المؤسسات الأمنية والوزارات الحكومية والشبكات الاقتصادية. كما فرضت واشنطن عقوبات على علي كرتي، وزير الخارجية السوداني السابق وأحد أبرز قيادات الحركة الإسلامية، في سبتمبر 2023، على خلفية اتهامه بتقويض الانتقال الديمقراطي وعرقلة جهود السلام.
أوجدت الحرب الأهلية الدائرة في السودان فرصًا أمام هذه الشبكات لاستعادة نفوذها، إذ قاتل لواء البراء بن مالك إلى جانب القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. ويضع ذلك مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ووزارة الخارجية للشؤون العربية والأفريقية، أمام تحديين متزامنين: المساهمة في إنهاء الحرب، والحيلولة دون استمرار نفوذ الجماعات الإسلامية المصنفة إرهابية في مستقبل البلاد السياسي.
إيران وشبكات الإسلام السياسي خارج الانقسامات الطائفية
يربط التحليل بين التحديات في السودان وليبيا وبين اتساع نطاق التعاون الإيراني مع جماعات إسلامية مسلحة، من بينها حماس والحوثيون وحزب الله، مشيرًا إلى أن التباينات الطائفية لم تمنع هذه الأطراف من إقامة شراكات عندما تتقاطع مصالحها. ويحذر من أن تراجع قدرات بعض حلفاء إيران الإقليميين لا يعني بالضرورة انتهاء الشبكات المرتبطة بها، محذرًا من استغلال التسويات السياسية لإعادة بناء نفوذها.
ليبيا.. نفوذ الإخوان والدور التركي
في ليبيا، أسست شخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين حزب العدالة والبناء بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، وحل الحزب في المركز الثاني خلال الانتخابات الوطنية عام 2012، وشغل خمس حقائب وزارية في حكومة الائتلاف الوطني حتى عام 2014. ودعمت تركيا، في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، حزب العدالة والبناء والحكومة في غرب ليبيا خلال مواجهاتها العسكرية مع الحكومة المنافسة في الشرق.
مدد البرلمان التركي، في ديسمبر 2025، انتشار القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين اعتبارًا من يناير 2026، وفي تطور لاحق أقرت حكومة شرق ليبيا في 20 أكتوبر 2026 اتفاقية بحرية مع تركيا، أثارت اعتراضات من اليونان وقبرص ومصر وبعض السياسيين الأمريكيين الذين وصفوها بأنها غير قانونية ومزعزعة للاستقرار.
أمن الطاقة وتحديات الاستراتيجية الأمريكية
يبرز التحليل أهمية الدور اليوناني في خطط الولايات المتحدة لنقل الغاز الطبيعي المسال إلى البلقان وأوروبا الوسطى وأوكرانيا، بما يدعم توجهًا لاستبدال واردات الطاقة الروسية بإمدادات أمريكية وأخرى من حوض بحر قزوين. ويحذر من أن تدهور العلاقات اليونانية التركية، على خلفية السياسة التركية في ليبيا، قد يعرقل هذه الترتيبات ويؤثر في أمن الطاقة الأوروبي.
يدعو التحليل واشنطن إلى تبني استراتيجية إقليمية تتجاوز التفاوض على اتفاقيات السلام، بحيث تشمل في السودان فرض قيود قابلة للتنفيذ على الدعم العسكري الإيراني ومنع الجماعات المصنفة إرهابية من الوصول إلى السلطة. أما في ليبيا، فيدعو إلى توحيد الهياكل الأمنية، وإبقاء حزب العدالة والبناء في المعارضة، وإضعاف العناصر المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخله، مع منع العلاقات التجارية مع تركيا أو غيرها من الإضرار باستقرار شرق المتوسط.



