نظمت عائلات سلطانة العالم للأرمن الكاثوليك في دمشق محاضرة ثقافية بعنوان "تاريخ الأرمن في دمشق"، قدمها الدكتور سركيس برونزوسيان، بهدف استعادة صفحات من الذاكرة الأرمنية وإبراز دور هذه الجماعة في تشكيل الملامح الاجتماعية والثقافية للعاصمة السورية.
جذور تاريخية أعمق من مأساة الإبادة
أوضحت المحاضرة أن العلاقات التاريخية بين الأرمن وبلاد الشام تعود إلى قرون قبل الإبادة الجماعية عام 1915، عبر الحركة التجارية والتنقلات السكانية والعلاقات السياسية والدينية. شهدت المنطقة موجات استقرار أرمني خلال العصور الوسطى، لا سيما في المناطق الشمالية القريبة من الأناضول، حيث ارتبطت حلب ومناطق أخرى بشبكات التجارة والهجرة الأرمنية.
جاء التحول الديموغرافي الأكبر خلال الحرب العالمية الأولى، عندما تعرض الأرمن للترحيل القسري والمجازر على أيدي السلطات العثمانية، ووصل الناجون إلى مناطق سورية متعددة أبرزها حلب ودير الزور ودمشق. وتحمل دير الزور مكانة مأساوية خاصة في الذاكرة الأرمنية، بينما تحولت حلب ودمشق لاحقًا إلى مراكز لإعادة بناء الحياة وتأسيس الأسر والمؤسسات.
من اللجوء إلى صناعة الحياة في دمشق
استطاع الأرمن الذين استقروا في دمشق بناء حضور اجتماعي واقتصادي متميز في الحرف اليدوية والتجارة والصناعات الصغيرة، إلى جانب المهن الفنية والتعليمية. واشتهر حرفيون أرمن بالصياغة وصناعة الأحذية والخياطة والتصوير الفوتوغرافي والطباعة، وأسهموا في تطوير بعض القطاعات الحرفية والصناعية، بينما برزت شخصيات أرمنية في الحياة الثقافية والفنية السورية.
شكل التوازن بين الانتماء الوطني والمحافظة على الهوية الثقافية إحدى السمات الرئيسية للتجربة الأرمنية في سوريا. وظلت حلب تاريخيًا المركز السكاني والثقافي الأكبر للأرمن السوريين، حيث ازدهرت المدارس والجمعيات والنوادي والصحف والمؤسسات الدينية.
الكنائس والمدارس حارسة للهوية
لعبت الكنائس الأرمنية دورًا محوريًا في المحافظة على الهوية الدينية والثقافية، وامتدت رسالتها إلى التعليم والعمل الاجتماعي ورعاية الأسر وتنظيم الأنشطة الثقافية. يتوزع الأرمن السوريون بين ثلاث كنائس رئيسية: الكنيسة الأرمنية الرسولية (الغالبية)، والكنيسة الأرمنية الكاثوليكية، والكنيسة الأرمنية الإنجيلية.
في دمشق، تمثل كنيسة القديس سركيس للأرمن الرسوليين أحد أبرز الشواهد على قدم الحضور الأرمني، إذ تعود جذور الموقع الكنسي إلى قرون سابقة، وقد تعرض للتدمير خلال أحداث 1860 قبل إعادة بنائه عام 1866. أما كاتدرائية سلطانة العالم للأرمن الكاثوليك، فتمثل مركزًا دينيًا واجتماعيًا مهمًا، وتعود بدايات الجماعة الأرمنية الكاثوليكية المنظمة في دمشق إلى القرن الثامن عشر، بينما تأسست النيابة البطريركية للأرمن الكاثوليك عام 1984.
شكلت المدارس الأرمنية ركيزة أساسية في حماية اللغة الأرمنية من الاندثار، إلى جانب تدريس المناهج الوطنية السورية، فيما ساعدت الجمعيات الثقافية والرياضية والكشفية والفرق الموسيقية على استمرار التقاليد الشعبية.
الحرب السورية.. هجرة جديدة بعد قرن من اللجوء
أعادت الحرب التي اندلعت عام 2011 إلى الذاكرة الأرمنية تجربة النزوح وفقدان المنازل. تعرضت أحياء أرمنية في حلب ودمشق لأضرار، وتضررت كنائس ومدارس ومؤسسات اجتماعية، واضطرت عائلات كثيرة إلى الهجرة نحو أرمينيا ولبنان وأوروبا وأمريكا الشمالية.
كشفت دراسات حديثة عن تراجع حاد في أعداد الأرمن السوريين، مع تفاوت في التقديرات. بينما قدرت تقارير عددهم قبل الحرب بنحو 100 ألف نسمة، أشارت دراسة أكاديمية تناولت الفترة 2012-2018 إلى بقاء نحو 10 آلاف من أصل 80 ألفًا. لم تكن الخسارة عددية فقط، بل امتدت إلى تفكك شبكات اجتماعية ومهنية تراكمت عبر عقود، وانخفاض أعداد الطلاب في المؤسسات التعليمية، وغياب أجيال شابة كانت تمثل مستقبل الجمعيات والكنائس.
بين الأمل والقلق في مرحلة جديدة
مع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا منذ ديسمبر 2024، دخلت الجماعات المسيحية، ومن بينها الأرمن، مرحلة جديدة تحمل آمالًا في الاستقرار وإعادة الإعمار، لكنها تثير تساؤلات حول الضمانات القانونية والأمنية اللازمة للمحافظة على التعددية الدينية والثقافية. أشارت تقارير نُشرت خلال 2025 إلى تطلع شخصيات من المجتمع الأرمني إلى مستقبل أكثر استقرارًا، في ظل تأكيدات السلطات الجديدة احترام حقوق الأقليات وحرية العبادة، بينما وثقت تقارير دولية مخاوف لدى بعض الجماعات المسيحية بشأن الأمان والحريات الدينية ومدى مشاركتها في صياغة مستقبل البلاد.



