يُعد البابا كيرلس الرابع، البطريرك الـ110 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أحد أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالإصلاح والتنوير في تاريخ الكنيسة خلال القرن التاسع عشر، إذ لم تقتصر جهوده على العمل الرعوي، بل امتدت إلى التعليم ونشر المعرفة وتطوير المدارس، ليحمل عن جدارة لقب «أبو الإصلاح».
رؤية سبقت عصرها في نشر المعرفة
آمن البابا كيرلس الرابع بأن التعليم يمثل أساس تقدم المجتمع، وأن نشر المعرفة يفتح الطريق أمام أجيال أكثر وعيًا وقدرة على المشاركة في بناء الوطن، وهو ما انعكس على اهتمامه بإنشاء المدارس وتوفير أدوات الطباعة، إلى جانب تطوير المناهج والاهتمام باللغات والعلوم المختلفة.
مطبعة لنشر الثقافة
أدرك البابا كيرلس الرابع أهمية الطباعة في نشر العلم والثقافة، فاهتم بإحضار مطبعة أسهمت في دعم حركة النشر داخل مصر، في خطوة عكست رؤيته لدور المعرفة في نهضة المجتمع. وتُروى عنه واقعة شهيرة عند استقبال المطبعة، إذ حرص على أن يكون وصولها مناسبة مميزة، وسط تساؤلات البعض عن سبب الاحتفاء بآلة من الحديد، فجاء رده معبرًا عن فلسفته في الإصلاح، بأنه لا يكرم الآلة نفسها، بل يكرم المعرفة التي ستنتشر من خلالها.
مدارس جديدة ومناهج حديثة
امتدت جهود البابا كيرلس الرابع إلى تأسيس المدارس وتطوير العملية التعليمية، فاهتم بإنشاء مدرسة كبرى للأقباط بالقاهرة، إلى جانب مدرسة للبنات بحارة السقايين، في وقت كانت فيه فرص التعليم تمثل تحديًا أمام قطاعات واسعة من المجتمع. كما اهتم بتدريس عدد من اللغات، من بينها الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والتركية، إلى جانب العناية باللغة القبطية والألحان الكنسية، في إطار رؤية جمعت بين الانفتاح على العلوم والمعارف الحديثة والحفاظ على التراث القبطي.
أسهمت هذه الجهود في إعداد أجيال تلقت تعليمًا أكثر تنوعًا، وأصبحت قادرة على الاستفادة من معارفها في مجالات العمل المختلفة، وهكذا ارتبط اسم البابا كيرلس الرابع بمرحلة مهمة من تاريخ التعليم القبطي، بعدما تجاوزت رؤيته حدود الخدمة الكنسية إلى الاهتمام ببناء الإنسان ونشر الثقافة، ليظل أحد الأسماء البارزة في مسيرة الإصلاح والتنوير خلال القرن التاسع عشر.



