أثارت زيارات الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الأخيرة إلى المجر وبولندا وأستراليا تساؤلات حول اتساع الفجوة بين الترحيب الرسمي الذي تحظى به إسرائيل على مستوى الحكومات، والرفض الشعبي الذي تواجهه رموزها في الشوارع.
بودابست.. موكب بلا أعلام
في 20 أكتوبر 2026، وصل هرتسوغ إلى المجر في زيارة رسمية استغرقت يومًا واحدًا، التقى خلالها الرئيس المجري أندراس باكا ورئيس الوزراء بيتر ماجار، وبحث تعزيز العلاقات الثنائية. لكن الصحفي الإسرائيلي عميت سيغال نشر مشاهد لموكب الرئيس الإسرائيلي دون أعلام بلاده، مشيرًا إلى أنه اضطر للتحرك بهذه الطريقة لأسباب أمنية، دون تأكيد رسمي مستقل لأسباب غياب الأعلام. وتكتسب الواقعة خصوصيتها من طبيعة العلاقات الإسرائيلية المجرية، إذ كانت بودابست خلال حكم رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان من أبرز العواصم الأوروبية دعمًا لإسرائيل، قبل انتقال السلطة إلى بيتر ماجار في عام 2026.
بولندا.. خلاف تنظيمي في أوشفيتز
في عام 2025، تعرض وفد عسكري إسرائيلي يضم نحو 180 عسكريًا ومسؤولًا لموقف غير معتاد خلال زيارة معسكر أوشفيتز-بيركيناو، عندما طُلب منه إزالة الأعلام الإسرائيلية التي كان يحملها أثناء مسيرة تذكارية. وأثار الإجراء استياء أعضاء الوفد، الذين اعتبروا أنه يمثل خروجًا عن تقاليد اعتادوا اتباعها. غير أن إدارة متحف أوشفيتز أوضحت أن إزالة الأعلام لم تكن موقفًا سياسيًا من إسرائيل، وإنما جاءت بسبب عدم التنسيق المسبق لإقامة مراسم عسكرية، بالمخالفة للقواعد المنظمة للفعاليات داخل الموقع.
أستراليا.. استقبال رسمي واحتجاجات واسعة
في فبراير 2026، شهدت أستراليا مشهدًا مختلفًا خلال زيارة هرتسوغ، الذي وصل إلى البلاد بدعوة رسمية من رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، في أعقاب الهجوم الذي استهدف احتفالًا يهوديًا في منطقة بونداي بمدينة سيدني في ديسمبر 2025. ورغم أن الزيارة استهدفت التضامن مع الجالية اليهودية، فإنها أثارت جدلًا واسعًا، وخرجت مظاهرات في سيدني وكانبرا وملبورن احتجاجًا على استقبال الرئيس الإسرائيلي، على خلفية الحرب في غزة. وفي ملبورن، شارك نحو 10 آلاف شخص، وفق تقديرات الشرطة، في مظاهرة احتجاجية، رفع خلالها المشاركون شعارات ترفض زيارة الرئيس الإسرائيلي نفسه، رغم أن منصبه يغلب عليه الطابع التمثيلي.
استطلاعات تعكس تراجع الصورة
تعكس استطلاعات الرأي الدولية جانبًا من هذه الإشكالية، إذ كشف استطلاع لمركز بيو للأبحاث في يونيو 2026، شمل 36 دولة ومنطقة، أن وسيط نسبة أصحاب النظرة السلبية لإسرائيل بلغ 67%، مع ارتفاع المواقف السلبية في عدد من الدول الأوروبية مقارنة بالعام السابق. وسجلت النظرة السلبية مستويات مرتفعة في دول تحتفظ بعلاقات دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل، بينها ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبولندا، فضلًا عن الولايات المتحدة.
حدود الدبلوماسية أمام الرأي العام
تكشف المقارنة بين المجر وبولندا وأستراليا عن اختلاف مهم في طبيعة المواقف؛ فغياب الأعلام عن موكب هرتسوغ في بودابست ارتبط برواية عن اعتبارات أمنية، وإزالة أعلام الوفد العسكري في بولندا جاءت وفق تفسير رسمي لأسباب تنظيمية، بينما عكست احتجاجات أستراليا رفضًا شعبيًا معلنًا. ولذلك لا يمكن جمع الوقائع الثلاث باعتبارها دليلًا قاطعًا على تراجع الاعتراف بإسرائيل. لكنها تسمح بطرح سؤال بشأن حدود قدرة العلاقات الدبلوماسية على تجاوز التحولات التي يشهدها الرأي العام، خاصة عندما تصبح زيارة مسؤول أجنبي أو ظهور رموز دولته مناسبة لإثارة الجدل والاحتجاج.



