تحل اليوم الجمعة ذكرى ميلاد الفنان صلاح السعدني، الذي ولد في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1943 بقرية كفر القرينين في محافظة المنوفية، ونشأ في أسرة ارتبط اسمها بالأدب والثقافة، فهو الشقيق الأصغر للكاتب الصحفي الساخر محمود السعدني.
البدايات الجامعية والانطلاق الفني
التحق صلاح السعدني بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، وهناك بدأت علاقته بالتمثيل من خلال النشاط المسرحي الجامعي، الذي جمعه بعدد من أبناء جيله، من بينهم الفنان عادل إمام، لتشكل تلك التجربة نقطة انطلاق نحو الاحتراف. شارك في عدد من الأعمال التلفزيونية المبكرة، من بينها مسلسل "الرحيل" عام 1960، ثم "الضحية" عام 1964، لتتوالى مشاركاته التي كشفت تدريجيًا عن امتلاكه أدوات تمثيلية مميزة، وقدرته على تقديم الشخصيات بصورة قريبة من الواقع.
العمدة سليمان غانم.. أيقونة "ليالي الحلمية"
شكل مسلسل "ليالي الحلمية" واحدة من أهم المحطات في مشوار صلاح السعدني، بعدما جسد شخصية العمدة سليمان غانم، في العمل الذي كتبه المؤلف أسامة أنور عكاشة وأخرجه إسماعيل عبد الحافظ، وقدم عبر أجزائه صورة واسعة للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع المصري. استطاع السعدني خلال هذه الشخصية أن يجمع بين ملامح ابن الريف المعتز بجذوره، والقدرة على المناورة والصراع، وخفة الظل التي منحت العمدة حضورًا خاصًا، وجعلته من الشخصيات التي لا تُنسى في تاريخ الدراما المصرية. ومع عرض أجزاء المسلسل بين عامي 1987 و1995، أصبح لقب "العمدة" ملازمًا لاسم صلاح السعدني في أذهان الجمهور.
حسن النعماني.. نموذج الحرفي في "أرابيسك"
لم يتوقف نجاح صلاح السعدني عند شخصية سليمان غانم، بل قدم في مسلسل "أرابيسك"، الذي عُرض عام 1994، نموذجًا مختلفًا تمامًا من خلال شخصية حسن النعماني، الحرفي الذي يعيش في قلب القاهرة القديمة، ويحاول الحفاظ على هويته وقيمه في مواجهة التغيرات المحيطة به. جاءت شخصية حسن النعماني محملة بتفاصيل البيئة الشعبية، وبأسئلة تتعلق بالأصالة والتجديد، فاستطاع السعدني أن يقدمها بعفوية وعمق، جامعًا بين خفة الظل والقدرة على التعبير عن الصراعات الداخلية. وامتدت نجاحاته التلفزيونية إلى أعمال عديدة، من بينها: "أبنائي الأعزاء.. شكرًا"، و"قال البحر"، و"أبواب المدينة"، و"حلم الجنوبي"، و"الأصدقاء"، و"رجل في زمن العولمة"، و"أوراق مصرية"، و"الناس في كفر عسكر"، و"نقطة نظام"، و"الباطنية"، وصولًا إلى مسلسل "القاصرات" عام 2013، الذي مثل آخر أعماله التلفزيونية.
مسيرة سينمائية ومسرحية ثرية
خاض صلاح السعدني تجارب سينمائية متنوعة على الشاشة الكبيرة، تعاون خلالها مع مخرجين بارزين، وقدم أدوارًا ساهمت في إبراز قدرته على التلون الفني. ومن أبرز أفلامه "الأرض" للمخرج يوسف شاهين، "أغنية على الممر"، "الرصاصة لا تزال في جيبي"، "الغول"، "ملف في الآداب"، "زمن حاتم زهران"، "اليوم السادس"، "المراكبي"، "عمارة يعقوبيان" وغيرها. أما المسرح، الذي شهد خطواته الأولى، فكان جزءًا مهمًا من تكوينه الفني، إذ منحه فرصة التعامل المباشر مع الجمهور، وصقل أدواته في الأداء والحركة والإلقاء، وهي خبرات انعكست على أدائه في السينما والتلفزيون.
شهادات زملاء تكشف الوجه الإنساني
احتفظ صلاح السعدني بمكانة خاصة لدى عدد من زملائه، الذين تحدثوا عنه باعتباره فنانًا مثقفًا وصاحب مواقف إنسانية. كشفت هالة صدقي في تصريحات تلفزيونية عن مشاركتهما في نحو 15 مسلسلًا، من بينها "أرابيسك"، مشيرة إلى أنه كان يشجعها على خوض التجارب الجديدة، ويمنحها نصائحه الفنية. كما تحدث الفنان عبدالعزيز مخيون عن علاقته بالسعدني، مستعيدًا ذكريات العمل معه في عدد من التجارب، من بينها "أبواب المدينة" و"ليالي الحلمية" وفيلم "تحت الصفر"، ومشيدًا بأخلاقه وكرمه ومحبته لزملائه، مشيرًا إلى أنه كان سريع الحفظ، إذ كان يتمكن من استيعاب دوره بعد قراءته مرة أو مرتين. أما الإعلامي محمود سعد، فاستعاد ذكرياته مع الفنان الراحل، مشيرًا إلى قدرته على التواصل مع الآخرين وكسب مودتهم، من خلال اهتمامه بما يقولونه وحرصه على الاستماع إليهم.
المحطة الأخيرة والذاكرة الباقية
ابتعد صلاح السعدني عن الظهور الفني خلال سنواته الأخيرة، بعدما قدم مسلسل "القاصرات" عام 2013، مجسدًا شخصية عبد القوي الأدهم النجعاوي، قبل أن يغيب عن الساحة ويترك أعماله تتحدث عن تجربته. تعود أعمال صلاح السعدني لتؤكد أن القيمة الفنية لا تقاس بعدد مرات الظهور أو بحجم البطولة وحده، وإنما بقدرة الفنان على تقديم شخصية صادقة تترك أثرًا في الذاكرة، فبين العمدة سليمان غانم وحسن النعماني، تتجلى ملامح تجربة فنية قامت على التنوع وفهم المجتمع والاقتراب من الإنسان.



