يعقد المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي سلسلة من اللقاءات المحاطة بسرية تامة مع كبار المسؤولين الحكوميين، بهدف إثبات أنه يتمتع بصحته الكاملة ويمسك بزمام الأمور، وذلك رغم غيابه عن الأنظار لأشهر. تأتي هذه اللقاءات الخاصة في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وحالة من عدم اليقين السياسي، وتوترات مستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
اجتماعات سرية تؤكد سلطة المرشد الأعلى
وفقاً لتقرير صحفي، استُدعي اللواء محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، هذا الأسبوع إلى موقع غير معلن خارج طهران، دون أن يكون على علم بهوية الشخص الذي سيلتقيه. وكان في استقباله آية الله مجتبى خامنئي، الذي أثار غيابه الطويل عن المشهد العام تكهنات حول وضعه الصحي، بل وحتى حول ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة. وحضر ثلاثة مسؤولين كبار آخرون لقاءات مماثلة في وقت سابق، وهم: رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، والرئيس مسعود بزشكيان. وأوضح مسؤولون إيرانيون أن هذه اللقاءات، التي باتت تتكرر بوتيرة أكبر، رُتبت عمداً لتعزيز سلطة المرشد الأعلى على المؤسسات السياسية والأمنية في البلاد. وذكر أحد المسؤولين أن صحة خامنئي في تحسن، وأنه أراد من خلال هذه اللقاءات طمأنة رجال الدين النافذين الذين تساءلوا عما إذا كان بإمكان إيران الاستمرار في العمل تحت قيادة شخص يغيب فعلياً عن الأنظار. ووصف مسؤول آخر هذه الاجتماعات بأنها محاولة لاستعادة الوحدة بين مراكز القوى السياسية المتنافسة، ورسم مسار واضح للحكومة.
مسؤولون كبار يؤكدون تمتع المرشد بصحة جيدة
عقب هذه اللقاءات الخاصة، قدم المسؤولون الإيرانيون روايات متطابقة حول الحالة الصحية للمرشد الأعلى وقدرته على القيادة. فقد صرح قاليباف أمام البرلمان بأن المرشد الأعلى يتمتع بصحة ممتازة، واصفاً إياه بأنه مفعم بالحيوية والثقة والهدوء. كما أشاد محسني إيجئي بقوته وعزيمته، مشبهاً إصراره بذلك الذي كان يتمتع به والده الراحل، المرشد الأعلى السابق علي خامنئي. وفي سياق متصل، ذكر الرئيس مسعود بزشكيان -خلال مشاركته في اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر - أنه عقد اجتماعاً استمر سبع ساعات مع الزعيم الجديد، مؤكداً أنه يتمتع بصحة ممتازة. ومع ذلك، لم يظهر المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، علنًا منذ توليه منصبه، مما يجعل من المستحيل الحصول على تأكيد مستقل بشأن وضعه. وقد أصبح غيابه المستمر مسألة محورية في السياسة الإيرانية، لا سيما في ظل سعي المسؤولين إلى ترسيخ الثقة في قيادته.
القيادة الإيرانية تواجه ضغوطاً في أعقاب الحرب
تولي مجتبى خامنئي السلطة في أعقاب هجمات -تورطت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل- أسفرت عن مقتل والده، وعدد من كبار القادة، وأفراد من عائلته المباشرة، بمن فيهم زوجته. وتشير التقارير إلى أن المخاوف الأمنية اضطرته إلى ممارسة الحكم عبر وسطاء موثوقين، وعقد اجتماعات خاصة، وإصدار توجيهات مكتوبة. ويعكس هذا النمط من الإدارة المخاطر التي تواجهها القيادة العليا في إيران في ظل مواجهتها المستمرة مع واشنطن وإسرائيل. ومع ذلك، أثار غيابه عن الظهور العلني مخاوف لدى بعض رجال الدين والمراقبين السياسيين بشأن فعالية ومشروعية قيادة تُدار بالكامل تقريباً خلف أبواب مغلقة. ويرى محللون أن على خامنئي ترسيخ سلطته الخاصة، مع التعامل في الوقت ذاته مع نفوذ "الحرس الثوري الإيراني"، الذي يؤدي دوراً قوياً في الشؤون السياسية والعسكرية للبلاد.
خامنئي يحدد شروط إنهاء المواجهة الإقليمية
على الرغم من غيابه عن الفعاليات العامة، يُقال إن المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، أصدر توجيهات تتعلق بالأولويات السياسية والاقتصادية للبلاد. وفي اجتماع لمجلس الوزراء هذا الأسبوع، أشار الرئيس بزشكيان إلى توجيه صدر مؤخراً عن خامنئي، يحدد فيه شروط إيران لإنهاء مواجهتها الممتدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ووصف الرئيس هذه الرسالة بأنها مؤشر مهم على المسار المستقبلي للبلاد. كما حث الوزراء والهيئات الحكومية على خفض التكاليف، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز قدرة إيران على الصمود في وجه العقوبات والضغوط الخارجية. وشدد بزشكيان أيضاً على أن إيران ستقاوم أي محاولات لإجبارها على الاستسلام من خلال القيود الاقتصادية أو التهديدات العسكرية. وتشير الروايات الرسمية للاجتماعات إلى أن خامنئي يضع على رأس أولوياته الوحدة الوطنية، والاستقرار الاقتصادي، وإمكانية التوصل إلى تسوية للمواجهة الإقليمية المستمرة.
الأزمة الاقتصادية تزيد من تحديات القيادة
تأتي عملية انتقال السلطة في إيران في ظل صعوبات اقتصادية حادة. بلغ معدل التضخم السنوي 76.8% في أكتوبر 2026، وفقاً للأرقام الواردة في التقرير، في حين شهدت الأسعار في محافظة هرمزغان الجنوبية ارتفاعاً بوتيرة أسرع. وقد جعل قربُ هذه المحافظة من مضيق هرمز -الذي يتمتع بأهمية استراتيجية- إياها في قلب التوترات الأمنية الإقليمية. أدى ارتفاع تكاليف المعيشة إلى زيادة الضغوط على الحكومة لحماية القوة الشرائية للأسر وضمان استمرار توفر السلع الأساسية. وذكر قاليباف أن خامنئي شدد على أهمية جعل الضروريات الأساسية في متناول الجميع، مع إعطاء الأولوية في الوقت ذاته لرفاهية الأفراد العسكريين والمقاتلين المرابطين على الجبهات. وفي غضون ذلك، أفادت تقارير بأن محسني إيجئي تلقى توجيهات بشن حملة سريعة وحاسمة ونزيهة لمكافحة الفساد. ويبدو أن هذه التوجيهات تهدف إلى إظهار أن المرشد الأعلى لا يزال متابعاً للشؤون الداخلية، رغم غيابه عن الأنظار.
نفوذ الحرس الثوري يثير تساؤلات
تعد مسألة توازن القوى بين القيادة الدينية والحرس الثوري الإيراني واحدة من أكبر نقاط الغموض المحيطة بالمرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي. وفي تصريح صحفي، أشار أستاذ في العلوم السياسية بجامعة تقع بالقرب من طهران إلى أن خامنئي يفتقر إلى الكاريزما الشخصية التي تميز بها والده، وقد يحتاج إلى تعزيز تواصله المباشر مع كبار المسؤولين لترسيخ موقعه. كما طرح الأكاديمي احتمال أن يكتسب الحرس الثوري نفوذاً إضافياً في ظل غياب المرشد الأعلى عن المشهد العام. وأشار إلى أن خامنئي قد يخشى من تصرف القادة العسكريين بشكل مستقل، مع استغلالهم لاسمه وصلاحياته في الوقت ذاته. وتظل هذه المخاوف في إطار التكهنات، حيث لا يوجد في التقرير ما يؤكد أن الحرس الثوري قد أزاح المرشد الأعلى عن عملية صنع القرار. في المقابل، يفسر محللون آخرون الاجتماعات الخاصة بطريقة مختلفة، واصفين إياها بأنها نهج أمني يهدف إلى استعادة التواصل المباشر بين المرشد والمؤسسات الحكومية.
التهديدات الأمنية تعيق الظهور العلني
سبق أن ألمح مسؤولون إيرانيون إلى إمكانية نشر صور أو أدلة أخرى تؤكد الوضع الصحي لخامنئي. ومع ذلك، لم يظهر المرشد الأعلى علناً حتى الآن. وقد ادعى إسماعيل كوثري، وهو نائب متشدد في البرلمان، أن خامنئي يحضر أحياناً تجمعات عامة متخفياً، وذلك لقياس المزاج الشعبي. كما جادل بأن ظروف الحرب والتهديدات القادمة من الولايات المتحدة وإسرائيل تجعل من أي ظهور علني معلن أمراً بالغ الخطورة. ويخشى بعض المراقبين من أن تؤدي كثرة الاجتماعات الخاصة إلى كشف مكان تواجد المرشد الأعلى، مما قد يفتح الباب أمام محاولات لاغتياله. بينما يرى آخرون أن الآثار المتبقية من إصابات تعرض لها في هجمات سابقة -والتي أودت بحياة أفراد من عائلته- قد تفسر تردده في الظهور أمام العامة. ولم يتم تأكيد أي من هذه التفسيرات من مصادر مستقلة.
هل يستطيع المرشد الأعلى الحكم من وراء الستار؟
يتجاوز التحدي السياسي الذي يواجهه مجتبى خامنئي مسألة الأمن الشخصي. يمنح النظام الإيراني سلطة دينية وسياسية واسعة لمنصب المرشد الأعلى، مما يجعل التصورات العامة حول شرعيته وقيادته أمراً بالغ الأهمية. وأشار أكاديمي مقيم في طهران -في مقابلة صحفية- إلى أن إدارة دولة إسلامية عبر نهج يتسم بالسرية لا تكاد تجد لها سوابق تاريخية تُذكر. كما لفت إلى أن التوقعات المتعلقة باللياقة البدنية للقائد، وشجاعته، وحضوره العلني، قد تؤثر على كيفية النظر إليه داخل المؤسسة الدينية. وفي الوقت الراهن، تُستخدم البيانات الرسمية، واللقاءات الخاصة، والصور المعروضة على اللوحات الإعلانية في جميع أنحاء طهران، لترسيخ رسالة مفادها أن المرشد الأعلى لا يزال ممسكاً بزمام الأمور. غير أن فاعلية هذه الاستراتيجية تعتمد على مدى استمرار المؤسسات السياسية والجمهور الإيراني في قبول التأكيدات الصادرة عن مسؤولين التقوا به.



