قبل فتح صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي المقررة الثلاثاء المقبل، اشتعلت معركة موازية حول الثقة في العملية الانتخابية ذاتها، بعدما أعاد الرئيس دونالد ترامب طرح اتهامات التزوير والتلاعب بأصوات الناخبين. غير أن التجربة الأمريكية ليست الأولى التي تبدأ فيها حملة التشكيك قبل إعلان النتائج، فقد شهدت البرازيل وكينيا مواجهات مشابهة اختلفت دوافعها ونتائجها، بينما وحدتها تساؤلات حول المكاسب التي يحققها السياسي من الطعن المبكر في نزاهة الانتخابات، حتى لو انتهت بخسارته.
أمريكا.. خسارة الرئاسة لا تعني نهاية النفوذ
لم ينتظر دونالد ترامب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2020 لبدء التشكيك، بل سبق الاقتراع بتحذيرات متكررة من التصويت عبر البريد معتبرًا أنه يفتح باب التزوير. وبعد خسارته أمام جو بايدن، تحولت التحذيرات إلى اتهامات مباشرة بسرقة الانتخابات، رغم عدم ظهور أدلة تثبت تزويرًا واسعًا يغير النتيجة، ورفض المحاكم العديد من الطعون.
لم تنجح الرواية في إبقاء ترامب بالبيت الأبيض، لكنها ظلت حاضرة في خطابه السياسي بعد مغادرته السلطة، وساهمت في احتفاظه بنفوذه داخل الحزب الجمهوري قبل عودته للرئاسة إثر فوزه بانتخابات 2024، وإن ارتبطت العودة بعوامل متعددة. والآن مع اقتراب انتخابات الكونجرس 2026، يعيد ترامب إثارة ملف نزاهة التصويت وسط معارك قضائية حول سجلات الناخبين والتصويت البريدي، وقد جعل أمن الانتخابات محورًا لخطاب من البيت الأبيض في يوليو الماضي دون تقديم أدلة تثبت تغيير أصوات في 2020. تكشف التجربة الأمريكية أن التشكيك لم يمنح الفوز المفقود عام 2020، لكنه لم يمنع استمرار النفوذ السياسي والعودة لاحقًا للسلطة.
البرازيل.. تعبئة الأنصار تنتهي بعقوبات قضائية
اتبع الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو مسارًا مشابهًا قبل انتخابات أكتوبر 2022، حين جمع دبلوماسيين أجانب في يوليو من العام نفسه وطرح اتهامات بشأن إمكانية التلاعب بنظام التصويت الإلكتروني. ساهمت الخطوة في إبقاء الجدل حاضرًا، وانتهت الانتخابات بخسارته أمام لولا دا سيلفا، ورفض قطاع من أنصاره الاعتراف بالهزيمة وصولًا إلى اقتحام مقار السلطات في برازيليا يناير 2023.
رغم استمرار حضور التيار المحافظ، فإن التشكيك المبكر لم ينقذ بولسونارو من الهزيمة، بل تحول إلى سبب لأزمته القضائية. في يونيو 2023، حرمت المحكمة الانتخابية العليا بولسونارو من الترشح حتى 2030 لإساءة استخدام السلطة والإعلام في مهاجمة النظام الانتخابي. وفي سبتمبر 2025، أدانته المحكمة العليا في قضية التآمر لقلب نتائج 2022 وحكمت عليه بالسجن 27 عامًا وثلاثة أشهر، بينما نفى الاتهامات. تقدم البرازيل نتيجة مختلفة؛ إذ لم يؤد التشكيك لاستعادة السلطة، بل ترتبت عليه كلفة قانونية كبيرة رغم استمرار نشاط حلفائه السياسي.
كينيا.. خسارة الانتخابات ومكسب إبطال النتيجة
اتخذت المواجهة مسارًا مختلفًا عام 2017، عندما أثارت المعارضة بقيادة رايلا أودينجا مخاوف بشأن نظام نقل النتائج إلكترونيًا قبل الانتخابات الرئاسية. وبعد إعلان فوز الرئيس أوهورو كينياتا في أغسطس، لجأ أودينجا للمحكمة العليا للطعن، متهمًا الجهات المشرفة بمخالفات أثرت في سلامة العملية.
في سبتمبر، أصدرت المحكمة حكمًا تاريخيًا بإبطال الانتخابات لوجود مخالفات في إدارتها، وأمرت بإعادة الاقتراع خلال 60 يومًا. كان ذلك مكسبًا قضائيًا واضحًا للمعارضة، أسقط نتيجة معلنة دون إثبات جميع الاتهامات أو ثبوت تزوير شخصي من الرئيس الفائز. لكن المكسب لم يتحول لانتصار انتخابي؛ إذ قاطع أودينجا الاقتراع المعاد في أكتوبر احتجاجًا على عدم إجراء الإصلاحات، بينما احتفظ كينياتا بالرئاسة. تكشف الحالة الكينية أن التشكيك المبكر قد يغير مسار الانتخابات عند دعمه بمخالفات يثبتها القضاء، لكنه لا يضمن وصول صاحب الطعن للسلطة.
ثلاثة مسارات.. ومكاسب تتجاوز صناديق الاقتراع
بين ترامب وبولسونارو وأودينجا، تبدو حصيلة التشكيك المبكر أكثر تعقيدًا من مجرد فوز أو خسارة. في الولايات المتحدة، لم تغير اتهامات ترامب نتيجة 2020، لكنها استمرت جزءًا من خطابه خلال سنوات المعارضة قبل عودته. في البرازيل، لم تنقذ الاتهامات بولسونارو من الهزيمة، وارتبطت بعقوبات قضائية قاسية. في كينيا، نجح أودينجا في انتزاع حكم بإلغاء الانتخابات دون أن يفوز بالرئاسة.
توضح الاختلافات ضرورة التمييز بين الطعون المستندة لمخالفات مثبتة، والاتهامات السياسية غير المدعومة بأدلة كافية. مع استعداد الأمريكيين للتصويت في انتخابات الكونجرس، يعود السؤال حول ما تحققه روايات التزوير قبل إعلان النتائج، سواء على مستوى تعبئة الأنصار أو التأثير في ثقة الناخبين أو فتح مواجهات قضائية جديدة. التجارب السابقة لا تقدم نتيجة واحدة، لكنها تكشف مفارقة سياسية: قد يخسر السياسي معركة الصناديق، بينما تستمر معركة شرعية النتائج، وتترك آثارًا تتجاوز عمر الانتخابات نفسها.



