تواجه متاجر الجمعيات الخيرية في بريطانيا ضغوطًا مالية متزايدة، مع تراجع أرباح عدد من أبرز المؤسسات العاملة في هذا القطاع، نتيجة المنافسة المتنامية من منصات بيع الملابس المستعملة عبر الإنترنت، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع جودة الملابس المتبرع بها، ما يثير مخاوف بشأن استدامة أحد أهم مصادر التمويل التقليدية لهذه الجمعيات.
تراجع حاد في أرباح "أوكسفام" ومؤسسة القلب البريطانية
أظهرت بيانات مالية انخفاض أرباح قطاع التجزئة لدى منظمة "أوكسفام" بنسبة 23% خلال السنة المالية الماضية، لتصل إلى 4.9 مليون جنيه إسترليني، مقارنة بـ6.4 مليون جنيه إسترليني في العام السابق. وفي تطور يعكس حجم الضغوط، أعلنت مؤسسة القلب البريطانية، التي تمتلك أكبر شبكة من متاجر الجمعيات الخيرية في الشوارع التجارية، خططًا لإغلاق 150 متجرًا، بعدما سجلت متاجرها خسائر بقيمة 3.3 مليون جنيه إسترليني خلال السنة المالية الماضية. كما أغلقت مؤسسة أبحاث السرطان البريطانية ومنظمة "سكوب" عددًا من متاجرهما، أو أعلنتا خططًا لإغلاق بعضها.
منافسة منصات البيع الإلكتروني تغير سلوك المتبرعين
تأتي هذه التطورات رغم النمو الكبير في سوق الملابس المستعملة بالمملكة المتحدة، إذ ارتفع الإنفاق على شرائها إلى أربعة أمثاله خلال العقد الماضي، ليصل إلى 8.8 مليار جنيه إسترليني سنويًا. ويرتبط هذا التحول بانتشار منصات إلكترونية مثل "فينتد" و"ديبوب"، التي تتيح للأفراد بيع ملابسهم المستعملة مباشرة إلى مستهلكين آخرين وتحقيق عائد مادي منها، بدلًا من التبرع بها لمتاجر الجمعيات الخيرية كما كان يحدث سابقًا.
كشفت أحدث البيانات المالية لمنظمة "أوكسفام" أن كل 100 جنيه إسترليني ينفقها المستهلكون في متاجرها، لا يذهب منها حاليًا سوى 6 جنيهات لتمويل أنشطة مكافحة الفقر عالميًا، مقارنة بـ22 جنيهًا في عام 2022. ومع ذلك، لا تعتزم "أوكسفام" تقليص عدد متاجرها، نظرًا لتركيز نشاطها التجاري على بيع الكتب والموسيقى، إلى جانب الملابس المستعملة.
تراجع جودة التبرعات وارتفاع تكاليف التشغيل
في يونيو الماضي، أجرت مؤسسة القلب البريطانية مراجعة واسعة لقطاع التجزئة لديها، الذي يوظف نحو 3,700 شخص، بعد تراجع أرباح متاجرها من 18.8 مليون جنيه إسترليني في عام 2024 إلى 3.6 مليون جنيه إسترليني خلال السنة المنتهية في 31 مارس 2025. وعزت المؤسسة التراجع إلى "ظروف تجارية بالغة الصعوبة"، وأعلنت استهداف إغلاق 90 متجرًا بحلول نهاية مارس 2027، على أن يتبع ذلك إغلاق 60 متجرًا إضافيًا بحلول مارس من العام التالي.
تواجه المتاجر تحديًا إضافيًا يتمثل في تراجع جودة الملابس التي تتلقاها من المتبرعين، حيث يشهد القطاع تدفقًا هائلًا من الملابس منخفضة الجودة في مختلف أنحاء البلاد، نتيجة تعامل بعض المستهلكين مع هذه المتاجر باعتبارها وسيلة سهلة للتخلص من المشتريات غير المرغوب فيها. وأثر انتشار الموضة السريعة بالفعل في جودة التبرعات المقدمة للمتاجر.
رؤى متباينة حول أسباب الأزمة ومستقبل القطاع
استبعد روبن أوسترلي الرئيس التنفيذي لجمعية تجارة التجزئة الخيرية، أن تكون منصات البيع الإلكتروني مثل "فينتد" السبب الرئيسي وراء تراجع أداء المتاجر، موضحًا أن تأثيرها قد يكون محدودًا. وأشار إلى أن هذه المنصات تسهم في تغيير نظرة المستهلكين إلى شراء المنتجات المستعملة وتجعل هذا السلوك أكثر انتشارًا وقبولًا، بما يدعم نمو السوق ككل. كما لفت إلى أن موازنة نوفمبر 2024 كان لها تأثير أكبر على المتاجر الخيرية التقليدية، حيث أدت زيادة اشتراكات التأمين الوطني وخفض الحد الأدنى للدخل الخاضع لها إلى ارتفاع ملحوظ في تكاليف التشغيل.
من جانبه، أكد ريتشارد هوكس الرئيس التنفيذي لمنظمة "أوكسفام بريطانيا"، أن قطاع التجزئة الخيري تأثر بأزمة تكاليف المعيشة، شأنه شأن بقية أنشطة التجزئة التقليدية، لكنه أشار إلى وجود فرص إيجابية لنمو القطاع مستقبلًا، تتطلب إعادة النظر في نموذج تجارة التجزئة الخيرية التقليدي وتطوير أساليب العمل. وأكد أن أهمية متاجر المنظمة لا تقتصر على تحقيق الإيرادات، إذ تمنحها حضورًا داخل المجتمعات المحلية وتوفر فرصًا للمشاركة أمام أكثر من 20 ألف متطوع.



