تحل اليوم ذكرى رحيل الشاعر فؤاد حداد، الذي رحل في الأول من نوفمبر 1985، تاركًا إرثًا شعريًا تجاوز 33 ديوانًا، إلى جانب الملاحم والأغنيات والأعمال المسرحية والدرامية، جعلته أحد أبرز رواد شعر العامية في مصر والعالم العربي، حتى استحق لقب "والد الشعراء".
نشأة جمعت بين التراث العربي والثقافة الفرنسية
ولد فؤاد سليم أمين حداد في حي الظاهر بالقاهرة، ونشأ في أسرة ذات جذور شامية؛ فوالده سليم أمين حداد لبناني الأصل، تخرج في الجامعة الأمريكية ببيروت متخصصًا في الرياضيات المالية، وعمل مدرسًا بكلية التجارة بجامعة فؤاد الأول، وحصل على لقب البكوية، وأصبح صاحب العضوية رقم واحد بنقابة التجاريين عند تأسيسها. تلقى حداد تعليمه في مدرستي الفرير والليسيه الفرنسيتين، ما أتاح له التعرف على الأدب الفرنسي وثقافته، بالتوازي مع شغفه المبكر بالتراث العربي والشعر القديم من خلال مكتبة والده العامرة، وأسهم هذا التنوع في تشكيل شخصيته الشعرية.
المعتقلات.. سنوات صنعت شاعرًا استثنائيًا
ارتبطت حياة حداد بالتجربة السياسية والاعتقال، فتعرض للاعتقال أول مرة عام 1953 وقضى نحو ثلاث سنوات خلف القضبان، انعكست في ديوانه الأول "أحرار وراء القضبان" الصادر عام 1956، ثم ديوان "حنبني السد" في العام نفسه. وفي عام 1959 اعتقل مرة أخرى لمدة خمس سنوات، كانت من أكثر المحطات تأثيرًا في تكوينه الشعري؛ ففي المعتقل التقى مصريين من مختلف المحافظات والبيئات، وتعرف على تنوع الشخصية المصرية ولهجاتها وحكاياتها الشعبية، وهو ما عبر عنه بقولته الشهيرة: "والشكر للي سجنوني، وبنيل وطمي وعجنوني". وخلال تلك السنوات اتجه إلى أشكال شعرية أكثر رمزية، واستلهم عالم الحيوان والحكايات الشعبية في قصائد مثل "الدبة" و"البغبغان" و"الثعبان".
شهادة صلاح جاهين.. والد شعراء العامية
أدرك الشاعر الكبير صلاح جاهين مبكرًا قيمة مشروع حداد، واعترف بتأثيره العميق في تكوينه الشعري، مؤكدًا أن قراءته لقصائده كانت السبب في اتخاذه قرار أن يصبح شاعرًا بالعامية. وقال جاهين إنه عندما قرأ كلمات حداد عن السجن وقضبانه التي تحجب النور والشجر، بحث مبهورًا عن صاحبها، بعدما اكتشف أن العامية قادرة على التعبير عن تجربة شعرية مستقلة. كما وصفه بأنه شاعر يمتلك زخمًا وفحولة شعرية وتدفقًا يشبه الشعراء الملحميين، وشبّهه بالشاعر الإغريقي هوميروس، ومن هنا جاء وصف حداد بـ"والد الشعراء"، فقد مثّل حلقة أساسية في الانتقال من الزجل إلى شعر العامية الحديث، وألهم أجيالًا من الشعراء من بينهم صلاح جاهين وفؤاد قاعود والأبنودي وسيد حجاب.
"المسحراتي".. حكاية عشق جمعت حداد وسيد مكاوي
تظل تجربة حداد مع الملحن والمطرب سيد مكاوي واحدة من أهم محطات الإبداع الفني في مصر، فقد نجح الاثنان في تقديم نموذج استثنائي للتكامل بين الكلمة واللحن والصوت. ومن أبرز ثمار هذا التعاون برنامج "المسحراتي" عام 1964، حيث تحولت شخصية المسحراتي الشعبية إلى نافذة يطل منها الشاعر على أحوال المجتمع المصري، ويتناول التاريخ والحياة اليومية والقضايا الوطنية والإنسانية. وتواصل التعاون في البرنامج الإذاعي "من نور الخيال وصنع الأجيال" عام 1969، الذي امتد إلى ثلاثين حلقة، وخرجت منه الأغنية الشهيرة "الأرض بتتكلم عربي". كما قدم حداد أعمالًا أخرى تغنى بها كبار الفنانين، من بينها أغنيات ارتبطت بصوت محمد منير مثل "الليلة يا سمرا" و"تعالى نلضم أسامينا".
فلسطين في قلب القصيدة.. والكلمة موقف ومقاومة
لم ينفصل شعر حداد عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي احتلت مكانة واضحة في وجدانه وإبداعه، فقد عبر عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني من خلال ديوان "الحمل الفلسطيني"، وقصائد مثل "إلا فلسطين" و"مسحراتي القدس". كما انحاز إلى حركات التحرر والمقاومة في العالم، وعبر عن تضامنه مع المقاومة الفيتنامية من خلال ترجمته مختارات من شعرائها في ديوان "قال التاريخ أنا شعر أسود" عام 1968. وكان الفقراء والعمال والفلاحون حاضرون بقوة في مشروعه، إذ جعل من معاناتهم وقضاياهم مادة أساسية لقصائده.
إرث شعري يتجاوز الغياب
ترك حداد مكتبة إبداعية ضخمة شملت أكثر من 33 ديوانًا، صدر عدد كبير منها بعد رحيله، إلى جانب أعمال بارزة مثل "المسحراتي"، و"الشرط نور"، و"الشاطر حسن"، و"الحضرة الزكية"، و"أيام العجب والموت"، و"مصر المصرية بتغني"، و"لازم تعيش المقاومة"، و"الفن مملكة". وامتد عطاؤه إلى الملاحم الشعبية وأشعار الأطفال والأغنيات والمواويل، كما خاض تجارب في الترجمة، فقدم أعمالًا من الشعر الفيتنامي، وترجم مسرحية "الغول" لبيتر فايس، ورواية "الأمير الصغير" لأنطوان دو سانت إكزوبيري، وحولها إلى عمل مسرحي غنائي بالعامية.



