لم تعد الاحتجاجات في أوروبا تنطلق فقط من الشوارع والساحات العامة، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من المشهد، بعدما تحولت إلى مساحة لنشر الدعوات إلى التظاهر، وتداول مقاطع الفيديو وتصميم الملصقات باستخدام الذكاء الاصطناعي، في تطور يثير تساؤلات حول دور التكنولوجيا في حشد المحتجين وتسريع انتشار الاضطرابات.
فرنسا.. تيك توك والذكاء الاصطناعي يحشدان المحتجين
كشفت تقارير إعلامية فرنسية تناولها موقع "آر تي في إي" الإسباني في 20 أكتوبر 2026، عن استخدام مقاطع فيديو وملصقات مولدة بالذكاء الاصطناعي في الترويج لتحركات احتجاجية شهدتها فرنسا يوم 17 أكتوبر، بعدما انتشرت عبر تيك توك دعوات لإحياء أجواء حركة "السترات الصفراء".
وبحسب التقرير، ظهرت خلال سبتمبر منشورات تدعو إلى التحرك في عدة مدن فرنسية، من بينها ملصقات تحمل عبارات تحث على الاستعداد للتظاهر، ومقاطع مصممة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي تصور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مواقف ساخرة. وحصدت بعض هذه المنشورات آلاف المشاركات، ما ساهم في توسيع نطاق انتشار الدعوات.
كما رصدت وسائل إعلام فرنسية حسابات على تيك توك قدمت نفسها باعتبارها ممثلة لحركة "السترات الصفراء"، رغم عدم ثبوت ارتباطها الرسمي بالحركة. وأشار التقرير إلى أن مقطع فيديو نُشر في 8 سبتمبر حصد أكثر من 78 ألف مشاركة، في مؤشر على قدرة المحتوى الرقمي على الانتشار السريع حتى عندما لا تكون الجهة التي تقف وراءه معروفة.
لكن هذه المؤشرات لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي تسبب وحده في اندلاع الاحتجاجات، أو أن جميع الدعوات كانت جزءًا من خطة مركزية. فقد نقل التقرير عن أحد وجوه حركة "السترات الصفراء" أن الدعوة ربما بدأت بصورة عفوية على تيك توك، قبل أن تتحول إلى اتجاه واسع الانتشار.
إيطاليا.. مجموعات تليجرام وإنستجرام تثير التساؤلات
وفي إيطاليا، امتد الاهتمام إلى الحسابات والمجموعات الرقمية التي تتداول دعوات للاحتجاج وتشارك معلومات بشأن مواعيد التحركات وأماكن التجمعات. وذكر تقرير منسوب إلى صحيفة "لا ستامبا" الإيطالية، نُشر في 20 أكتوبر، أن حسابات مرتبطة بما يُعرف باسم "حركة 17 أكتوبر" تداولت دعوات للتحرك عبر منصات التواصل، بالتزامن مع تصاعد التوترات في بعض المناطق.
وتتيح منصات مثل تليجرام وإنستجرام تداول المعلومات بسرعة، وربط أشخاص لا تجمعهم بالضرورة علاقات مباشرة، بما قد يساعد على انتشار الدعوات إلى التجمع في أكثر من مدينة خلال فترة قصيرة. كما يمكن للمجموعات الرقمية أن تصبح مساحة لتبادل مقاطع الفيديو والمعلومات الميدانية، بعيدًا عن وسائل التنظيم التقليدية.
ومع ذلك، لا يكفي ظهور دعوات احتجاجية على هذه المنصات للقول إن المجموعات سرية أو إنها تقف وراء أعمال العنف. كما أن تداول المحتوى الاحتجاجي لا يعني بالضرورة أن أصحابه يشاركون في التخريب، وهو ما يجعل التحقق من مصادر الحسابات وطبيعة الرسائل المتداولة أمرًا أساسيًا لفهم حقيقة ما يجري.
من الدعوة إلى التظاهر إلى الترويج للنهب
لا يقتصر التحدي على سرعة انتشار الدعوات، بل يمتد إلى المحتوى الذي قد يحول الاحتجاجات إلى فرصة للتحريض على العنف أو تشجيع الاستيلاء على الممتلكات. ووفقًا لتقرير "آر تي في إي"، ظهرت على تيك توك منشورات تمجد عمليات النهب وتتباهى بالمقتنيات المسروقة، إلى جانب رسائل تلمح إلى إمكانية الاستفادة من انشغال الشرطة بتأمين الاحتجاجات.
وأشار التقرير إلى منشورات انتشرت قبل تحركات 17 أكتوبر في فرنسا، تضمنت إشارات ساخرة إلى الحصول على هواتف حديثة خلال أعمال النهب. كما تناول محاولات لتداول أو بيع سلع يُشتبه في أنها مسروقة، ما دفع السلطات الفرنسية إلى مطالبة المنصات الرقمية بالتحرك لمنع بيع المنتجات المنهوبة.
ويكشف هذا الجانب عن اختلاف مهم بين استخدام الإنترنت لتنسيق مظاهرة سلمية، وبين توظيفه للترويج لأعمال مخالفة للقانون. فالمحتوى الرقمي قد يساعد على نشر المطالب السياسية والاجتماعية، لكنه قد يُستغل أيضًا لتطبيع العنف أو تشجيع سلوكيات إجرامية.
صعوبة توقع مسار الاحتجاجات
يمثل الانتشار السريع للمحتوى الرقمي تحديًا للأجهزة الأمنية، إذ يمكن أن تتغير طبيعة الدعوات الاحتجاجية خلال ساعات، وأن تنتقل من مدينة إلى أخرى، بينما يصعب أحيانًا تحديد حجم المشاركة الفعلية أو التمييز بين المحتجين السلميين والمجموعات التي تسعى إلى التخريب.
وفي فرنسا، نقل تقرير "آر تي في إي" عن خبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي أن طبيعة المنصات الرقمية تجعل تتبع المحادثات وتوقع المخاطر الأمنية في عدة مدن أكثر تعقيدًا. كما أشار التقرير إلى أن تقديرات الاستخبارات الفرنسية لحجم المشاركة المحتملة كانت أقل من العدد الذي أعلنته وزارة الداخلية بعد انتهاء التحركات، بما يعكس صعوبة توقع حجم التعبئة مسبقًا.
ولا تعني هذه الصعوبات أن كل احتجاج يجري عبر الإنترنت يمثل تهديدًا أمنيًا، إذ تظل حرية التعبير والتظاهر السلمي جزءًا أساسيًا من الحياة الديمقراطية. لكن التحدي يتمثل في التعامل مع المحتوى الذي يحرض على العنف، دون الخلط بينه وبين الدعوات المشروعة للاحتجاج أو فرض قيود واسعة على النقاش العام.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي محركًا جديدًا للاحتجاجات؟
تعكس التجربتان الفرنسية والإيطالية اتساع الدور الذي تلعبه المنصات الرقمية في المشهد الاحتجاجي الأوروبي، من نشر الدعوات وصناعة المحتوى الجاذب إلى تداول المعلومات وتوثيق المواجهات. كما تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج صور ومقاطع فيديو ساخرة أو مثيرة للانتباه بسرعة، وهو ما قد يزيد فرص انتشار الرسائل السياسية والاحتجاجية.
لكن التكنولوجيا لا تفسر وحدها أسباب الغضب في الشارع؛ فانتشار المنشورات لا يكشف بالضرورة عن دوافع المشاركين، ولا يثبت أن المحتوى الرقمي هو السبب الأساسي للاحتجاج. وتظل المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والسياق المحلي عوامل ضرورية لفهم كل تحرك على حدة.
ومع استمرار الاعتماد على المنصات الرقمية، يواجه صناع القرار الأوروبيون معادلة صعبة: متابعة الدعوات التي قد ترتبط بأعمال عنف، مع حماية الحق في التظاهر والتعبير، والتحقق من المعلومات قبل التعامل معها باعتبارها دليلًا على وجود تنظيم مركزي.



