في كثير من الأحيان لا يكتفي الإنسان بأن يحزن، بل يتماهى مع حزنه حتى يغدو جزءا من تعريفه لنفسه. يبدأ الأمر باستجابة طبيعية لأحداث مؤلمة، حالة عابرة يُرجى لها أن تنقضي، فيصفها بقوله: أنا حزين الآن. ثم يتسلل الحزن ببطء وتكرار، من كونه شعورا مؤقتا إلى سمة يتصور أنها متأصلة في طبيعته: أنا حزين بطبعي.
من الشعور العابر إلى سمة ثابتة
ينتهي الأمر بالإنسان إلى صياغة حكاية كاملة عن ذاته، يصبح الحزن فيها فصلا أساسيا من ماضيه، وملمحا ثابتا من حاضره، وعدسة يتوقع من خلالها مستقبله. هنا لا يعود الحزن شيئا يمر به الإنسان، بل شيئا يعتقد أنه هو. ومع مرور الوقت يألف الإنسان حزنه إلى الحد الذي يجد فيه داخل مأساته نوعا من الأمان، أمانا مفارقا لكنه مألوف، يحميه من مجازفة الأمل ويجنبه خيبات التوقع، ويمنحه تفسيرا جاهزا لما يحدث له.
أمان المألوف ومخاطر المجهول
شيئا فشيئا، يعيد الإنسان ترتيب حياته حول هذا الحزن، ويعيد قراءة ماضيه من خلاله، ويستدعي من الثقافة والدين والتجارب الإنسانية كل ما يدعم روايته عن نفسه. حتى تصبح الأحداث التي تؤلمه أدلة على أنه كان محقا في حزنه، وتغدو اللحظات التي كان يمكن أن تمنحه أملا مجرد استثناءات لا تستحق الالتفات. عند هذه النقطة، تحدث المفارقة الأكثر تعقيدا: يصبح الخروج من الحزن تهديدا للاستقرار الذي بناه الإنسان حوله.
عندما يهدد التعافي الهوية
محاولات الآخرين انتشاله من ألمه قد تبدو له تدخلا مزعجا، لا لأنه بالضرورة يرغب في المعاناة، بل لأنهم يطلبون منه، دون أن يدركوا، أن يتخلى عن الرواية التي فهم نفسه والعالم من خلالها. إنهم لا يحاولون تغيير شعوره فحسب، بل يقتربون من هويته التي تشكلت حولها، ومن المعنى الذي استمده من معاناته، ومن المنطقة المألوفة التي احتمى بها طويلا، رغم ما تسببه له من ألم. فالمألوف ليس دائما مريحا، لكنه قد يكون أقل إخافة من المجهول.
رحلة إعادة اكتشاف الذات
وحتى المعاناة حين تطول بما يكفي، قد تتحول إلى وطن نفسي يصعب على المرء مغادرته، لا لأنه سعيد فيه، بل لأنه لم يعد يعرف نفسه خارجه. ولعل السؤال الأكثر إرباكا للإنسان الذي استقر طويلا في حزنه ليس: كيف أتخلص من هذا الألم؟ بل: من سأكون إذا لم أعد ذلك الشخص الحزين الذي اعتدت أن أكونه؟ فالحزن حين يصبح جزءا من الهوية، لا يعود التعافي مجرد رحلة للخروج من الألم، بقدر ما يكون رحلة شاقة لإعادة اكتشاف الذات بعيدا عنه، أن يتعلم الإنسان كيف يعيش دون أن يجعل المعاناة شرطا لفهم نفسه، وكيف يمنح حياته معنى لا يستمده من جراحه وحدها، وكيف يتصالح مع احتمال أن يكون له مستقبل مختلف عن حكايته القديمة.



