في الذكرى السادسة عشرة لمجزرة كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في بغداد، يعود ملف الوجود المسيحي في العراق إلى الواجهة، ليس فقط لاستذكار واحدة من أكثر الهجمات دموية في تاريخ البلاد الحديث، بل للتساؤل عما تبقى من هذا الوجود بعد سنوات من العنف والتهجير والحروب.
أربع ساعات من الرعب
في مساء الأحد 31 أكتوبر 2010، اقتحم مسلحون كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة ببغداد أثناء قداس الأحد، واحتجزوا المصلين رهائن في هجوم استمر نحو أربع ساعات، وانتهى باقتحام قوات الأمن للمبنى. وأسفرت المجزرة عن مقتل 58 شخصًا، بينهم كاهنان، وإصابة عشرات آخرين. وتبنى تنظيم دولة العراق الإسلامية، المرتبط بتنظيم القاعدة آنذاك، الهجوم. لم تكن الجريمة تستهدف مبنى كنسيًا فحسب، بل جماعة دينية كانت تعاني بالفعل من تراجع أعدادها بفعل موجات العنف التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003. غادرت عائلات مسيحية بغداد عقب الهجوم، وأشارت تقارير حقوقية إلى نزوح نحو ألف عائلة من بغداد والموصل، فيما انخفض عدد المصلين في الكنيسة من أكثر من 350 شخصًا إلى نحو 50 فقط بعد المجزرة.
من المجزرة إلى اجتياح داعش
لم تكن مجزرة سيدة النجاة نهاية موجة الاستهداف، بل سبقتها وتلتها اعتداءات متكررة، ثم جاءت الضربة الأكبر عام 2014 عندما اجتاح تنظيم داعش الموصل وسهل نينوى، وأجبر عشرات الآلاف من المسيحيين على مغادرة منازلهم خلال ساعات. استولى التنظيم على المنازل والأراضي والكنائس، ودمر مواقع دينية وتاريخية. وكانت بلدات قرقوش (بغديدا)، وبرطلة، وتلكيف، وبعشيقة، وبحزاني، إلى جانب الموصل، من أبرز المناطق التي شهدت نزوحًا واسعًا. ورغم إعلان هزيمة داعش عسكريًا عام 2017، فإن انتهاء السيطرة الإقليمية للتنظيم لم ينهِ آثار الكارثة؛ فقد استقرت أعداد كبيرة من النازحين في الخارج ولم تعد إلى قراها الأصلية.
أرقام تكشف حجم التراجع
تكشف التقديرات عن تراجع غير مسبوق في أعداد المسيحيين بالعراق خلال العقدين الماضيين. فبعد أن كانت التقديرات تشير إلى وجود نحو 1.3 إلى 1.5 مليون مسيحي عام 2003، تتراوح التقديرات الحالية بين 150 ألفًا و250 ألفًا فقط. وتشير وكالة أسوشيتد برس في تقرير 2026 إلى أن العدد أصبح يقدر بنحو 150 ألف شخص. وبحسب تقرير منظمة «عون الكنيسة المتألمة» لعام 2026، يعيش نحو 90% من مسيحيي العراق المتبقين في إقليم كردستان، وتوفر مناطق الإقليم، ولا سيما عنكاوا في أربيل، مساحة أكبر نسبيًا للاستقرار.
عودة محدودة وهجرة متواصلة
رغم مرور سنوات على تحرير المناطق التي احتلها داعش، لا تزال عودة المسيحيين إلى مدنهم التاريخية محدودة. مدينة الموصل التي كانت تضم قبل 2014 نحو 1200 عائلة مسيحية، لم يتجاوز عدد العائدين إليها 50 عائلة. وفي بلدة ألقوش، كشف الأسقف فيليكس من زاخو في فبراير 2026 عن مغادرة ما لا يقل عن 100 عائلة مسيحية خلال 2025 بسبب الضغوط الاقتصادية، مع وجود نحو 100 عائلة أخرى تفكر في المغادرة خلال 2026.
أسباب معقدة للهجرة
لا تتوقف أسباب الهجرة عند المخاوف الأمنية، بل تشمل عوامل متداخلة أبرزها: الضغوط الاقتصادية وضعف فرص العمل وتراجع الاستثمارات والخدمات؛ المخاوف الأمنية واستمرار الشكاوى من المضايقات عند نقاط التفتيش ونفوذ بعض الجماعات المسلحة؛ أزمة الممتلكات واستمرار النزاعات بشأن عقارات وأراضٍ مسيحية استولى عليها أفراد أو جهات خلال سنوات النزوح؛ والتراجع السياسي ومحدودية التمثيل الفعلي للمسيحيين في المؤسسات. ورصد تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادر في ديسمبر 2025 استمرار هذه الشكاوى والتحولات الديموغرافية في سهل نينوى.
مبادرة حكومية للعودة
في تطور لافت خلال يوليو 2026، ناقش رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع البطريرك الكلداني الجديد بولس الثالث نونا ملف عودة المسيحيين، مؤكدًا أن عودة العائلات تمثل أولوية وطنية. وتضمن المقترح الحكومي إتاحة الاستفادة للعائلات العائدة من مشروع الأراضي السكنية المستهدف توفير مليون قطعة أرض، إلى جانب تسهيلات ودعم للعودة والاستثمار في مجالي التعليم والصحة. وأعلن رئيس الأساقفة بشار وردة أن مجلس الأساقفة الكاثوليك سيبحث المبادرة خلال اجتماع أغسطس 2026 في عنكاوا.
كنيسة سيدة النجاة.. ذاكرة مفتوحة
تظل كنيسة سيدة النجاة شاهدة على المأساة، واكتسبت المجزرة بعدًا عالميًا جديدًا خلال زيارة البابا فرنسيس إلى العراق في مارس 2021، عندما زار الكنيسة وصلى على أرواح الضحايا. وبعد 16 عامًا، الكنيسة لا تزال قائمة، لكن الجماعة التي كانت تملأ مقاعدها أصبحت أقل عددًا وأكثر انتشارًا في المنافي. إن مأساة المسيحيين في العراق لا تختصرها أعداد القتلى والنازحين، بل تكمن في تراجع مجتمع تاريخي كان شريكًا أساسيًا في تشكيل هوية بلاد الرافدين. والعراق اليوم يواجه خطر أن يتحول هذا التراث إلى ذاكرة محفوظة في الكتب، بينما يعيش أحفاد أصحابه بعيدًا عن أرض آبائهم.



