استعاد أفراد أسرة فضيلة الإمام الأكبر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق، عددًا من المواقف الإنسانية والذكريات العائلية التي كشفت عن جوانب من شخصيته، وما اتسم به من تواضع ونزاهة وكرم وإخلاص في العمل، مؤكدين أنه كان حريصًا على رعاية أسرته ومساعدة الآخرين، ولم تكن المناصب التي تقلدها حائلًا بينه وبين بساطته وقربه من الناس.
شهادة النجل: نزاهة وتواضع في أدق التفاصيل
استعرض نجل الإمام، المستشار عمرو طنطاوي، مواقف عكست طبيعة والده في التعامل مع الآخرين، موضحًا أنه كان يتسم بطيبة القلب ونقاء السريرة، ولا يتضايق بسهولة من الأمور الشخصية، لكنه كان يتأثر بشدة عندما يتعلق الأمر بالإساءة إلى الدين أو رموز الأزهر الشريف ومكانته. وأشار إلى أن والده كان يتعامل مع الصحفيين بصراحة ووضوح، ولا يميل إلى المراوغة، مستشهدًا بنصيحة ظل يتذكرها: «يا ابني، لا تعمم في الأحكام»، مؤكدًا أن هذه العبارة كانت تعكس منهجه في التمييز بين الأشخاص وتصرفاتهم، ورفض تحميل الجميع مسؤولية أخطاء البعض.
وضرب نجل الإمام مثالًا على نزاهة والده، مستعيدًا موقفًا جمعهما في محطة مصر بالإسكندرية، عندما سأله عن سفره بمفرده رغم إمكانية اصطحاب مرافق. وأوضح أن والده أخبره بأنه يعيد بدل السفر الذي يحصل عليه إذا تكفلت الجهة المستضيفة بجميع احتياجاته خلال المهمة الرسمية، في موقف عكس حرصه على عدم الحصول على أموال لا يستحقها، وعدم استغلال ما يتيحه له منصبه من مزايا.
واستعاد المستشار عمرو طنطاوي موقفًا آخر، عندما احتاج شقيقه أحمد إلى إجراء عملية جراحية في عينه، موضحًا أن والده لم يكن يرغب في الاستفادة من العلاج على نفقة الدولة ما دام قادرًا على تحمل التكاليف بنفسه. وأضاف أن والده أعاد المبلغ إلى وزارة الصحة، وأرسل خطاب شكر إلى وزير الصحة آنذاك، موضحًا أن هناك أشخاصًا أكثر احتياجًا إلى هذه الأموال، وأن الأسرة تستطيع تدبير نفقات العلاج.
وكشف نجل الإمام أن والده اعتاد التبرع بالمكافآت والبدلات التي يحصل عليها مقابل حضور الاجتماعات وأداء بعض المهام، مشيرًا إلى أن إجمالي تبرعاته على مدار سنوات طويلة ربما بلغ ملايين الجنيهات، مؤكدًا أن الأسرة لم تكن تعلم بجميع هذه التبرعات، إذ لم يكن الإمام الراحل يتحدث عنها أو يسعى إلى إعلانها.
كما استعاد نجل الإمام موقف والده من أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، مشيرًا إلى أنه عندما أخبره بما حدث، أبدى تأثره بالخبر، وعلّق بكلمات موجزة محذرًا من التداعيات: «طيب هتشوفوا إيه اللي هيحصل». ولفت إلى أن تواضع والده امتد إلى أبسط تفاصيل حياته اليومية، إذ كان يحرص على مرافقة بعض العمال الذين ينجزون أعمالًا في محيط سكنه حتى بداية الشارع، تقديرًا للآخرين دون النظر إلى مكاناتهم.
ذكريات الأشقاء: أب وأخ حنون
استعاد المهندس حسن طنطاوي وعطية طنطاوي، شقيقا الإمام الراحل، ذكرياتهما معه، مؤكدين أنه كان نموذجًا في العطاء والاحتواء والاهتمام بأسرته، وأن محبته للمدينة المنورة ظلت حاضرة في حياته حتى وفاته ودفنه في البقيع. وقال المهندس حسن طنطاوي إن شقيقه كان يتمنى أن يُدفن في المدينة المنورة، مشيرًا إلى أنه شارك في أواخر فترة توليه مشيخة الأزهر في تحكيم جائزة الملك فيصل، وبعد الانتهاء من أعمال التحكيم، وأثناء انتقاله بالطائرة من جدة إلى الرياض، وافته المنية في مطار الرياض، ثم دُفن في البقيع.
بدوره، أكد عطية طنطاوي أن شقيقه كان يمثل لهم «أبًا قبل أن يكون أخًا»، لما عُرف عنه من حرص على رعايتهم ومتابعة أحوالهم وتلبية احتياجاتهم، موضحًا أنه كان يحرص على زيارة المدينة المنورة كلما سنحت له الفرصة. وأضاف أن الأسرة اعتادت الاجتماع بالإمام الراحل أسبوعيًا، وكان يستقبل أشقاءه بسعادة واضحة، ويسأل كل واحد منهم عن أحواله وظروفه وعمله وما يحتاج إليه، رغم انشغاله بأعماله العلمية.
واستعاد عطية طنطاوي موقفًا من فترة دراسته الثانوية، موضحًا أنه كان يقيم في أسيوط مع شقيقيه الأكبر، المهندس حسن طنطاوي والدكتور حسين طنطاوي. وأضاف أنه خلال فترة الاستعداد لامتحانات الثانوية العامة، طلب منه الإمام الراحل أن يقضي شهر المذاكرة معه في شقته بمصر الجديدة، حتى لا يبقى بمفرده في أسيوط، مؤكدًا استعداده لتوفير كل ما يحتاج إليه من مدرسين أو مساعدة. وأوضح أن الإمام الراحل كلف زوجته، وهي ابنة عمه، برعايتهم والاهتمام بشؤونهم اليومية، كما كان يتابع أحوالهم بنفسه، في صورة تعكس حرصه على تحمل مسؤولياته تجاه أسرته.



