تعتبر المجتمعات الحديثة مهددة بتحول الخلاف من واقعة فكرية قابلة للنقاش إلى واقعة أخلاقية تستوجب العقاب. فحين يُقرأ الاختلاف في تقدير سياسة اقتصادية أو في ترتيب الأولويات الوطنية بوصفه علامة على الخيانة أو العمالة، ينتقل الحوار من ساحة الحجة إلى ساحة المحاكمة، ويتحول المختلف من شريك في البحث عن الصواب إلى متهم ينبغي إسقاطه.
روافد منظومة التخوين
تتغذى ثقافة التخوين المتبادل من ثلاثة روافد أساسية؛ أولها تصور مطلق للحقيقة يرى في كل مخالف خطيئة أخلاقية لا مجرد خطأ معرفي، وثانيها آليات نفسية جماعية تجعل الهوية تقتات على وجود العدو، وثالثها بنى تنظيمية وإعلامية تكافئ المتشدد وتعاقب المعتدل. وهذه المنظومة لا تقف عند حدود الجماعات المغلقة، بل تتسرب إلى الدولة الوطنية وتفرغ فكرة المواطنة من مضمونها.
الجذور الفكرية والنفسية
تبدأ الجذور من ثنائية حادة تقسم العالم إلى حق وباطل، حيث تظن كل جماعة أنها تحتكر الصواب. وقد حذر التراث الإسلامي من هذا الميل، كما نبه أبو حامد الغزالي إلى خطورة التسرع في التكفير، وذهب ابن رشد إلى أن الخطأ في التأويل لا يُلحق صاحبه الكفر ما دام ناتجًا عن اجتهاد. وفي العصر الحديث، أعادت الحداثة السياسية إنتاج هذا المنطق عبر مصطلحات مثل الطابور الخامس والعميل، لتقوم بنفس وظيفة مصطلحات الزندقة والابتداع قديمًا.
من الناحية النفسية، تظهر "نرجسية الفروق الصغيرة" حيث تنشأ العداوة الأشد بين الأقرباء الذين يتشاركون الفضاء ذاته، مما يجعل المخالف يمثل تهديدًا لصورة الذات. كما تساهم أبحاث علم النفس الاجتماعي في توضيح كيف يؤدي الانتماء إلى جماعة إلى إنتاج التحيز ضد الآخرين، حيث يتم تفسير سلوك الخصوم كشر متأصل وسلوكنا كظروف عابرة.
دوامة النقاء والعصر الرقمي
تؤدي البنى التنظيمية إلى تشكيل ما يسمى "دوامة النقاء" داخل الجماعات المغلقة، حيث يتنافس الأفراد على إثبات الصرامة ويصبح التسامح علامة ضعف. وقد تجلى ذلك تاريخيًا في الثورة الفرنسية وحركات الإسلام السياسي. وفي العصر الرقمي، تضاعفت هذه الظاهرة عبر خوارزميات منصات التواصل التي تكافئ الغضب وتدفن الاعتدال، مما يحول المنصات إلى غرف صدى تمارس ما يشبه المحاكمات الشعبية والتشهير الجماعي.
تداعيات التخوين على الدولة الوطنية
تؤدي هذه الممارسات إلى تآكل الثقة بين المواطنين وتراجع الفضاء المشترك للتفاوض. وتتشارك الأنظمة السلطوية والتنظيمات الأصولية في هذا المنطق؛ حيث تتهم السلطة المعارضة بالخيانة لتبرير القمع، ويتهم المتطرف الدولة بالكفر لتبرير العنف. ويدفع المجتمع ثمن ذلك بهجرة الكفاءات، وتجنب الصحافة للأسئلة الجوهرية، وخوف الجامعات من النقاش.
سبل الخروج من المسار
يتطلب الخروج من هذا المسار بناء قواعد تفصل بين الرأي والجريمة، حيث تظل الخيانة وصفًا قانونيًا يستلزم أدلة وقضاءً مستقلًا. كما تتطلب المهمة تربية نقدية تعلّم الأجيال أن مراجعة الأفكار شجاعة، وإعلامًا يقاوم الاستقطاب، ومراهنة على العقلانية بوصفها عادة جماعية، لضمان أن يظل الخلاف مثمرًا في ظل دولة المواطنة.



