كشف تقرير التحليل البيئي القطري لمصر الصادر عن البنك الدولي أن الانتقال إلى الاقتصاد الدائري يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية كبيرة تشمل زيادة الناتج المحلي وتوفير فرص عمل وتحسين الميزان التجاري وخفض استهلاك الطاقة.
تقرير البنك الدولي: زيادة الناتج المحلي 1% وتوفير 101 ألف وظيفة
يقدر نموذج الاقتصاد الدائري الوارد في التقرير إمكانية زيادة الناتج المحلي الإجمالي المصري بنحو 1%، بما يعادل 5.94 مليار دولار مقارنة بسيناريو استمرار الأوضاع القائمة. كما يقدر النموذج إمكانية توفير 101 ألف فرصة عمل إضافية، وخفض الواردات بنحو 782 مليون دولار، وزيادة الصادرات بنحو 242 مليون دولار، بجانب تحقيق وفورات في الطاقة تصل إلى 23%.
تشير هذه التقديرات إلى أن العائد الاقتصادي لا يقتصر على بيع المواد المعاد تدويرها، فخفض الاعتماد على بعض المدخلات المستوردة وزيادة استخدام الموارد المحلية وتوفير الطاقة وخلق وظائف جديدة، كلها قنوات محتملة لتحسين الأداء الاقتصادي.
25.4 مليون طن مخلفات بلدية سنويًا و30% فقط يتم تدويرها
بلغت كمية المخلفات البلدية الصلبة المتولدة في مصر نحو 25.4 مليون طن في 2022، مقارنة بنحو 21 مليون طن عام 2012. ويشير التقرير إلى أن نحو 30% من المخلفات البلدية يجري تدويرها أو استردادها، بينما يجري التخلص من النسبة الأكبر عبر الطمر.
لا يعني ارتفاع حجم المخلفات أن جميعها قابلة للتدوير أو أن كل طن منها يحقق عائدًا ماليًا، فالجدوى تتوقف على نوع المادة ومدى تلوثها وتكلفة جمعها ونقلها وفرزها وأسعار المواد المستخلصة ووجود مشترين من المصانع.
تكلفة التدهور البيئي 850 مليون دولار سنويًا
لا تقتصر فاتورة المخلفات على تكاليف الجمع والنقل والتخلص النهائي؛ فالإلقاء العشوائي والحرق المكشوف والمدافن غير الصحية يمكن أن تفرض أضرارًا بيئية وصحية إضافية. يقدر البنك الدولي تكلفة التدهور البيئي المرتبطة بإدارة المخلفات الصلبة في مصر بنحو 850 مليون دولار سنويًا، بما يعادل قرابة 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
تجارب دولية: السويد وكوريا الجنوبية
تقدم السويد مثالًا على توظيف المخلفات غير القابلة لإعادة التدوير في إنتاج الطاقة، فوفقًا لوكالة الطاقة السويدية، يبلغ استرداد الطاقة من المخلفات نحو 19.5 تيراواط/ساعة سنويًا، بما يلبي احتياجات التدفئة لأكثر من 1.47 مليون شقة واحتياجات الكهرباء لأكثر من 940 ألف شقة. وتشير الوكالة إلى أن 98% من البلديات السويدية لديها شكل من أشكال التوليد المشترك للكهرباء والحرارة أو شبكات التدفئة المركزية.
في كوريا الجنوبية، اتجهت الحكومة إلى تقليص الاعتماد على دفن المخلفات البلدية مباشرة، وبدأ تطبيق حظر الدفن المباشر للمخلفات البلدية في منطقة العاصمة في يناير 2026، بينما حُدد جدول زمني لتطبيق السياسة في بقية المناطق وصولًا إلى عام 2030. تقوم السياسة على توجيه المخلفات إلى المعالجة، بما في ذلك الحرق أو إعادة التدوير، قبل دفن البقايا الناتجة عنها.
مسؤولية المنتج الممتدة ولائحة العبوات الأوروبية
من الأدوات التنظيمية المستخدمة في إدارة المخلفات مسؤولية المنتج الممتدة، وهي آلية تجعل المنتجين أو المستوردين مسئولين عن جانب من إدارة منتجاتهم بعد انتهاء عمرها الاستهلاكي. على المستوى الأوروبي، دخلت لائحة العبوات ومخلفات العبوات حيز النفاذ في 11 فبراير 2025، وبدأ تطبيقها في 12 أغسطس 2026، وتمثل إطارًا أوروبيًا لتنظيم العبوات ومخلفاتها.
لا يعني تطبيق مسؤولية المنتج الممتدة أن تكلفة المخلفات ستختفي، فالآلية تحتاج رقابة تضمن وصول التمويل إلى الجمع والمعالجة الفعليين وشفافية في حساب التكلفة ومؤشرات تقيس كميات العبوات التي أُعيد تدويرها.
خمس فرص استثمارية بمليارات الدولارات
بحسب الفرص التي يطرحها تقرير البنك الدولي، يمكن توسيع الاستفادة الاقتصادية لتشمل: مخلفات البناء والهدم والمخلفات العضوية والوقود البديل لمصانع الأسمنت والمخلفات الإلكترونية وأدوات التمويل الأخضر.
تبرز مخلفات البناء والهدم باعتبارها أحد المسارات بسبب إمكانية معالجة جزء منها وإعادة استخدامه في أعمال الإنشاء والطرق. وفي المخلفات العضوية، يفتح إنتاج الغاز الحيوي مسارًا محتملًا للاستفادة من بعض المخلفات الزراعية والغذائية. أما مصانع الأسمنت، فيمكنها دراسة استخدام الوقود المشتق من المخلفات (RDF) بديلًا جزئيًا لبعض أنواع الوقود التقليدي. وفي المخلفات الإلكترونية، تزداد أهمية استرداد المعادن والمواد ذات القيمة من الأجهزة التي انتهى عمرها التشغيلي. ولا تكتمل هذه الفرص من دون تمويل قادر على تحمل مخاطر المشروعات في مراحلها الأولى.
ستة شروط لتحويل الفرص إلى صناعة مستدامة
بحسب التوصيات والسياسات التي يناقشها تقرير البنك الدولي، يحتاج بناء اقتصاد دائري قواعد مؤسسية وتمويلية وتنظيمية تربط المنتج والمستهلك وجهة الجمع والمصنع والجهة الرقابية في منظومة واحدة.
أول هذه الشروط تفعيل المسؤولية الممتدة للمنتج، بحيث يتحمل المنتجون أو المستوردون جانبًا من مسؤولية إدارة منتجاتهم بعد انتهاء عمرها الاستهلاكي، وفق قواعد محددة وشفافة. الشرط الثاني هو استخدام المشتريات الحكومية الخضراء وتطوير التراخيص والقواعد المنظمة للسوق، بما يخلق طلبًا فعليًا على المواد المعاد تدويرها.
الشرط الثالث يتعلق بقدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الحصول على التمويل. الشرط الرابع هو تصميم حوافز اقتصادية للطاقة الناتجة من المخلفات، بناءً على تكلفة الإنتاج الفعلية والجدوى الفنية والبيئية. الشرط الخامس يتمثل في تطوير الفرز من المصدر وتحسين نظم الجمع. أما الشرط السادس، فيتعلق بدمج العاملين في جمع المخلفات وإعادة تدويرها داخل المنظومة الرسمية، بدلًا من تجاهل دورهم الاقتصادي أو إقصائهم عند تطوير الخدمات.



