تمثل العاصمة الإدارية الجديدة فرصة استثنائية لإنشاء بيئة قانونية حديثة متخصصة للمال والأعمال، تتجاوز مجرد كونها مدينة ذات بنية تحتية متطورة. وتكمن الأهمية في إمكانية تصميم نطاق اقتصادي وقانوني متكامل من البداية، وهو ما يصعب تحقيقه في المدن القائمة التي تشابكت فيها الاختصاصات والقواعد التنظيمية على مدى عقود.
تصميم النطاق القانوني المتخصص
توفر منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الجديدة نقطة انطلاق مناسبة لإنشاء نطاق مالي يخضع لتنظيم قانوني متخصص، بفضل تحديدها المكاني والوظيفي المسبق للأنشطة الاقتصادية. ويتيح النطاق الجغرافي الواضح صياغة إجابات دقيقة عن حدود النظام الخاص، والأشخاص والأنشطة الخاضعة له، والجهات المختصة بإدارته، وعلاقته بالقانون العام للدولة. وقد سبق للمشرع المصري أن أرسى أنظمة مشابهة في المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، غير أن بيئة المال والأعمال تتطلب خطوة أكثر تخصصًا لاستضافة مؤسسات مالية وإدارة أصول وصناديق ومعاملات عابرة للحدود.
البناء المؤسسي والتنظيم المالي
يشكل تحديد الجهة المسؤولة عن إدارة المشروع واختصاصاتها واستقلالها الإداري جزءًا جوهريًا من البيئة الاستثمارية، إذ يجب أن يعرف المستثمر منذ البداية الجهة التي يتعامل معها وسلطاتها وآليات اتخاذ القرار. ويمكن للقانون المنشئ للنظام أن يحدد في وثيقة تشريعية واحدة البنية المؤسسية واختصاصاتها وعلاقتها بباقي أجهزة الدولة، مما يمنع تضارب الاختصاص. وعلى مستوى التنظيم المالي، تستدعي طبيعة مدينة المال والأعمال تنوع الأنشطة من بنوك استثمارية ومؤسسات مالية غير مصرفية وتأمين وتكنولوجيا مالية وخدمات مهنية، مما يطرح ضرورة حسم الاختصاص التنظيمي منذ البداية لتجنب الغموض الذي يتحول إلى مخاطرة قانونية.
القواعد الحاكمة للمعاملات
لا يكفي تنظيم دخول المؤسسات وترخيصها، بل يجب تحديد القواعد التي تحكم معاملاتها بعد دخولها، من عقود وشركات وتمويل وضمانات وأصول وإفلاس، وحدود حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق. وتتحول هذه القواعد المتكاملة والقابلة للتوقع بالمشروع من "منطقة ذات حوافز" إلى "بيئة قانونية حقيقية" للمال والأعمال، مع الاستفادة من التجارب الدولية بما يتفق مع البناء الدستوري والقضائي والاقتصادي المصري.
قضاء متخصص وآليات التحكيم
يعد القضاء جزءًا من تصميم النظام منذ البداية، لا عنصرًا لاحقًًا، فالمعاملات المالية الدولية تتطلب محكمة مختصة وإجراءات واضحة ولغة محددة وقواعد قابلة للتنفيذ. وتمتلك مصر خبرة في القضاء الاقتصادي يمكن البناء عليها لتطوير درجة أعمق من التخصص. ويأتي التحكيم التجاري مكملًا للقضاء، خاصة في المعاملات العابرة للحدود، حيث تمثل منظومة التحكيم والاعتراف بالأحكام وتنفيذها ركيزة أساسية للثقة القانونية التي تبحث عنها المؤسسات الدولية.
المدن الجديدة كأصول اقتصادية طويلة الأجل
لا ينبغي تقييم المشروعات العمرانية الكبرى فقط بعائد بيع الأراضي في سنوات الإنشاء الأولى، بل كأصول اقتصادية طويلة الأجل قادرة على استيعاب أنشطة لم تكن ممكنة في المدن القائمة. ويمكن للتنظيم القانوني أن يمنح أجزاء من هذه المدن وظائف اقتصادية متخصصة، كما هو الحال في مدينة العلمين الجديدة التي تتمتع بمقومات متميزة. ويلتقي التخطيط العمراني بالتخطيط التشريعي، حيث تُحدد الوظيفة الاقتصادية ثم يُصمم النظام القانوني الذي يحققها، وتقدم العاصمة الجديدة بمنطقة أعمالها المركزية وبنيتها الحديثة ونطاقها الواضح نموذجًا جاهزًا لتطبيق هذه الفكرة.



