كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية "نيورولوجي" عن ارتباط وثيق بين السمنة السريرية وزيادة حجم الآفات التي تصيب المادة البيضاء في الدماغ، ما يسلط الضوء على تأثير اضطرابات التمثيل الغذائي في صحة الجهاز العصبي مع التقدم في العمر.
معايير جديدة لتصنيف السمنة
اعتمد الباحثون على إطار تصنيفي حديث وضعته لجنة دولية مرتبطة بمجلة "لانسيت"، يميز بين غياب السمنة، والسمنة ما قبل السريرية، والسمنة السريرية. ويأخذ هذا التصنيف في الاعتبار التأثيرات الصحية للسمنة ومدى ارتباط تراكم الدهون باضطرابات وظيفية أو أمراض مصاحبة، بدلًا من الاعتماد على مؤشر كتلة الجسم وحده.
نتائج دراسة بوغالوسا للقلب
حلل فريق البحث بيانات 190 مشاركًا في "دراسة بوغالوسا للقلب" المجتمعية طويلة الأمد التي انطلقت عام 1972 في ولاية لويزيانا الأمريكية. وشملت التحليلات الفحوصات الصحية المتكررة منذ عام 1985، وصور الرنين المغناطيسي التي أُجريت بين عامي 2017 و2025، وكان متوسط أعمار المشاركين وقت التصوير 56.5 عامًا.
أظهرت النتائج أن المشاركين الذين عانوا من السمنة السريرية لفترات أطول سجلوا أحجامًا أكبر من آفات المادة البيضاء. وفي المقارنة بين المشاركين في الخمسينيات من العمر، تجاوز حجم هذه الآفات لدى المصابين بالسمنة السريرية ضعفي المتوسط المسجل لدى من لم يمروا بهذه الحالة.
انتشار السمنة السريرية مع العمر
من بين أفراد العينة، تعرض 133 شخصًا (نحو 70%) للسمنة السريرية في مرحلة ما من حياتهم. ورصد الباحثون ارتفاع انتشار الحالة مع التقدم في العمر؛ إذ كانت نسبتها أقل من الثلث خلال العشرينيات، ثم تجاوزت النصف بحلول منتصف الثلاثينيات، لتصل إلى أكثر من ثلثي المشاركين بحلول منتصف الأربعينيات.
آليات محتملة تربط السمنة بتلف الدماغ
يرجح الباحثون أن العلاقة بين السمنة السريرية وتغيرات الدماغ قد تمر عبر مسارات أيضية ووعائية، أبرزها ارتفاع ضغط الدم والسكري واضطراب مستويات الدهون في الدم. وتُعد هذه الحالات من عوامل الخطر المعروفة التي قد تؤثر في الأوعية الدموية الدقيقة المغذية للدماغ.
كذلك قد يرتبط تراكم الدهون بحالة من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، واضطراب إفراز الأديبوكينات، ما يسهم في إضعاف وظيفة بطانة الأوعية الدموية والتأثير في الحاجز الدموي الدماغي. كما يمكن أن ترتبط مقاومة الأنسولين ومرض الكبد الدهني بزيادة المخاطر الوعائية.
أهمية الوقاية والمتابعة الصحية
تؤكد الدراسة أهمية النظر إلى السمنة باعتبارها حالة صحية متعددة الأبعاد، مع ضرورة الانتباه إلى توقيت ظهورها ومدتها والاضطرابات المصاحبة لها. ورغم أن زيادة آفات المادة البيضاء لا تعني بالضرورة الإصابة بالخرف، ولا تثبت الدراسة أن جميع المصابين بالسمنة سيعانون من تدهور معرفي، فإنها تعزز أهمية الوقاية من اضطرابات التمثيل الغذائي، ومتابعة ضغط الدم ومستويات السكر والدهون، وتبني نمط حياة صحي للحفاظ على صحة الأوعية الدموية والدماغ.



