سجلت صفحات التاريخ القبطي مواقف خالدة لبطاركة الكنيسة المصرية تشهد على أصالة الحس الوطني ورفضهم القاطع لأي محاولات للوصاية أو الحماية الأجنبية على مر العصور. وتبرز هذه المواقف كيف دافعت المؤسسة الكنسية عن استقلالية الإرادة الوطنية، مؤكدة أن حماية المواطنين تظل مسؤولية الدولة ومؤسساتها الوطنية القائمة، بعيداً عن أية أطماع أو أجندات خارجية تحت أي مسمى ديني أو سياسي.
موقف البابا الجاولي أمام قيصر روسيا
تأتي في صدارة هذه المحطات التاريخية الحادثة التي شهدها عهد البابا بطرس السابع، الشهير بالجاولي والبطريرك الـ109، في عهد الوالي محمد علي باشا. حين خافت إمبراطورية روسيا من التوسعات السياسية والعسكرية لمصر، أرسلت أميراً ومبعوثاً خاصاً لزيارة المقر البطريركي بالقاهرة، وعرض السفير الروسي بشكل رسمي قبول حماية قيصر روسيا لأقباط مصر مع تقديم مساعدات وإغراءات مالية ضخمة للدار البطريركية والمؤسسات التابعة لها.
جاء رد البابا حاسماً وعميقاً؛ إذ سأل المبعوث الروسي بكل ثقة: "هل قيصركم هذا يحيا إلى الأبد؟"، فأجابه الأمير: "لا بل يموت كباقي البشر". وهنا أطلق البابا الجاولي عبارته التاريخية: "أنتم تعيشون تحت رعاية قيصر يموت، وأما نحن فنعيش تحت رعاية ملك لا يموت إلى الأبد وهو الله". وانطرح الأمير أمام البابا انبهاراً بموقفه، ولما وصل الخبر للوالي محمد علي باشا شكره بنفسه قائلاً: "لقد رفعت اليوم شأنك وشأن بلادك".
حصن منيع ضد التدخلات الأجنبية
لم تكن حادثة البابا الجاولي سوى نموذج لتاريخ طويل من المواقف الشجاعة لرموز الكنيسة؛ حيث تكررت تلك الروح الوطنية مع كل محاولة إقليمية أو دولية للتدخل في الشأن الداخلي المصري، فمن مواقف المتابعة والرعاية للنسيج الوطني في مواجهة الإرساليات التبشيرية، إلى دعم الحركات الوطنية وثورة 1919 ورجالاتها بقيادة سعد زغلول، وصولاً إلى المواقف السياسية الحديثة تجاه القضايا القومية والعربية. تؤكد هذه السجلات التاريخية الموثقة أن الكنيسة القبطية لم تكن يوماً مجرد مؤسسة دينية عزلاء، بل كانت حائط صد وطني ودعامة رئيسية لحفظ استقرار الدولة المصرية وسيادتها عبر العصور.



