تثير تصريحات الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن سيناء ومصر تساؤلات تتجاوز شخصه إلى طبيعة الخطاب الذي يتبناه اليمين المتطرف في إسرائيل، ومحاولاته فرض معادلات إقليمية جديدة قوامها تحويل التهديدات إلى حقوق تفاوضية. يأتي هذا التصعيد في وقت ترفض فيه القاهرة تهجير الفلسطينيين من غزة، وتتمسك بحل القضية الفلسطينية عبر إنهاء أسباب الصراع لا بنقل سكانها، ما يجعل التلويح بسيناء تقاطعًا خطيرًا مع محاولات تحميل مصر تبعات حرب لم تخترها.
خلفية التصريحات وسياقها الإقليمي
يرى الكاتب محمد الطماوي أن تصريحات سموتريتش ليست مجرد استعراض سياسي، بل اختبار لحدود الخطاب العام تمهيدًا لتطبيع أفكار التوسع والتهجير. فإسرائيل، مهما بلغت قدراتها العسكرية، لا تستطيع فصل أي مواجهة مع مصر عن آثارها على أمنها واقتصادها وجبهتها الداخلية وعلاقاتها الدولية. في المقابل، تقوم السياسة المصرية على حماية المصالح الوطنية ومنع تحول المنطقة إلى ساحة صراعات مفتوحة، لا على البحث عن الحرب.
سيناء.. سيادة راسخة لا تقبل المساومة
تمثل سيناء جوهر المسألة؛ فهي أرض مصرية استعادتها الدولة بعد حرب وتفاوض ومسار قانوني، اكتمل الانسحاب الإسرائيلي منها عام 1982، وعادت طابا إلى السيادة المصرية عام 1989 بعد التحكيم الدولي. هذه وقائع تؤكد أن السيادة لا تتغير بتبدل الخطاب السياسي، وليست مساحة يمكن إعادة طرح ملكيتها كلما احتاج سياسي إلى رفع شعبيته.
أبعاد الخطاب التوسعي ومخاطر تطبيع الفكرة
يبدأ التطرف السياسي غالبًا باختبار حدود الخطاب: يطرح أمراً خطيراً، ثم يقيس ردود الفعل، ثم يعيد طرحه بصيغة أقل صدمة حتى يصبح قابلاً للنقاش. التعامل مع هذا الخطاب يحتاج إلى يقظة تمنع تطبيع الفكرة أو منحها شرعية ضمنية، حتى لو لم تتحول فوراً إلى سياسة حكومية.
الموقف المصري.. حزم دبلوماسي وردع استراتيجي
لن تمنح مصر سموتريتش تحويل تصريحاته إلى أزمة تحدد أجندة القاهرة. القوة السياسية تكمن في القدرة على تحديد ما يستحق المواجهة واختيار الأداة المناسبة. جرى رد واضح من الرئيس عبدالفتاح السيسي يجمع بين الدبلوماسية الحازمة، والتمسك بالقانون الدولي، والاستعداد الدفاعي، والحفاظ على قنوات الاتصال التي تمنع سوء التقدير. الدولة التي تسعى لتجنب الحرب ليست مطالبة بالتخلي عن أدوات الردع، كما أن امتلاك الردع لا يعني تحويله إلى تهديد دائم.
الأمن المستدام لا يبنى على التهديد
الأمن القائم على التهديد يظل هشاً؛ لأنه يدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها ويعمق انعدام الثقة. الترتيبات المستقرة تحتاج إلى احترام السيادة والحقوق لا إلى اختبار قدرة الآخرين على تحمل الضغط. قوة مصر الحقيقية تتجسد في حماية مصالحها، وإدارة علاقاتها الدولية، وتثبيت موقفها من التهجير، والحفاظ على سيادتها، وتعزيز اقتصادها وقدراتها التكنولوجية ومؤسسات الدولة كجزء أصيل من الأمن القومي.
الرسالة الأهم في تصريحات سموتريتش أن التيار الذي يمثله ما زال يراهن على توسيع هامش المقبول سياسياً على حساب حقوق الآخرين. الرد يكون برفض واضح لأي مساس بالسيادة المصرية، وبموقف ثابت من القضية الفلسطينية، وبإدراك أن السلام لا يعني قبول الأمر الواقع إذا كان قائماً على الإكراه. مصر لا تحتاج إلى أن تتمنى الحرب كي تكون مستعدة للدفاع عن نفسها، والحكمة هي أن تجعل حماية أرضها ومصالحها أولوية، وتدير التوتر من موقع الثقة والاستعداد. سيناء ليست موضوعاً للمساومة، ومصر لا تبحث عن حرب، ولن تقبل بسلام منقوص، ولا أن يتحول حرصها على السلام إلى ذريعة للمساس بالأمن الإقليمي.



