أعاد تصديق مجلس النواب الليبي بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة عام 2019 بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني، فتح ملف النزاع على الحدود البحرية في شرق المتوسط، وسط اعتراضات مصرية ويونانية وتحذيرات من تداعياته على الحقوق السيادية للدول المطلة على المنطقة.
موقف مصري حازم
أكدت وزارة الخارجية المصرية في بيان رسمي أن المذكرة "باطلة بطلانا مطلقا ومعدومة الأثر القانوني"، مشددة على أن تصديق البرلمان الليبي لا يرتب أي آثار قانونية بالنسبة لمصر. وترى القاهرة أن الخطوط البحرية الواردة في الاتفاق تمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، محتفظة بحقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها البحرية وفق القانون الدولي.
رؤية قانونية: التصديق لا يحسم النزاع
قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، إن تصديق مجلس النواب الليبي لا يمنح المذكرة أثرًا قانونيًا ملزمًا تجاه مصر أو اليونان، ولا ينهي اعتراضات الدول الثالثة. واستند مهران إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وقواعد ترسيم الحدود البحرية بين الدول المتجاورة، بالإضافة إلى المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تقرر أن المعاهدة لا تنشئ التزامات لدولة ثالثة دون رضاها.
اعتراض على تجاهل الجزر اليونانية
يرتبط الاعتراض اليوناني بموقع الجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت، وما يترتب على وجودها من حقوق بحرية. وتتمسك أثينا بأن الاتفاق التركي الليبي لم يراعِ حقوق هذه الجزر عند رسم خط الحدود البحرية.
تقديرات بشأن الحقوق البحرية المصرية
انتقد مجدي تراب، أستاذ الجغرافيا بجامعة دمنهور، الاتفاق معتبرًا أنه لم يراعي قواعد القانون الدولي عند رسم الحدود. وأشار إلى أن الاتفاق تجاهل الجزر اليونانية، واعتدى على مثلث مساحته 35 ألف كيلومتر مربع من المياه الاقتصادية المصرية بمواجهة ساحل السلوم الحدودي، مؤكدًا أن خط الحدود المرسوم لا يقع في منتصف المسافة بين مصر وتركيا.
خلفية الاتفاق وتطوراته
وقعت المذكرة في إسطنبول يوم 27 نوفمبر 2019 بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج، وصادق عليها البرلمان التركي في ديسمبر 2019. وواجهت رفضًا من مجلس النواب الليبي في شرق البلاد عام 2020، قبل أن يعود ويصادق عليها بالإجماع في 20 أكتوبر 2026، ملغيًا قراريه السابقين برفض المصادقة وقطع العلاقات السياسية مع تركيا.
أبعاد سياسية واستراتيجية
يرى خبراء أن التحول في موقف البرلمان الليبي يعكس تغيرًا في حسابات القوى الداخلية وتبدلًا في موازين النفوذ، ويحمل أبعادًا سياسية تتجاوز المسائل القانونية. ويحذر أستاذ القانون الدولي من أن الخطر لا يقتصر على الأثر القانوني المباشر، بل يشمل إمكانية استخدام المذكرة ورقة ضغط سياسية في مفاوضات مستقبلية تتعلق بالتنقيب عن الغاز وتوزيع مناطق استغلال الموارد الطبيعية في شرق المتوسط.



