أكد الدكتور عمر غرايبة، أستاذ المالية، أن الصناديق السيادية الخليجية تواجه تحديًا استراتيجيًا يتجاوز تحقيق العوائد المالية وتعظيم حجم الأصول، ويتمثل في قدرتها على تحويل الفوائض النفطية إلى ثروة إنتاجية مستدامة تدعم تنويع الاقتصادات الخليجية وتقلل اعتمادها على النفط.
نجاح مالي دون أثر تنموي
حذر غرايبة، في تصريحات خاصة، من أن أخطر ما قد تواجهه هذه الصناديق ليس خسارة أموالها، بل تحقيق نجاحات مالية كبيرة دون أن تنعكس على التنمية الاقتصادية والإنتاجية للدول المالكة. وأوضح أن الصناديق السيادية لم تعد مجرد أدوات لادخار الفوائض، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في التحولات الاقتصادية من خلال توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التكنولوجية المتقدمة والبنية التحتية والصناعات المستقبلية.
نبه إلى أن التوسع في الاستثمارات المالية العالمية قد يؤدي إلى الانتقال من إدارة الريع النفطي إلى إدارة ريع مالي جديد، إذا لم يصاحبه بناء قاعدة إنتاجية محلية قادرة على توليد فرص العمل ونقل المعرفة ورفع الإنتاجية. وشدد على أن نجاح التجربة الخليجية يقاس بمدى قدرة الصناديق على تحويل الأصول إلى قدرات اقتصادية مستدامة، لا بحجم الأصول المدارة.
محركان للتحول الاستثماري
أرجع أستاذ المالية التحول في استراتيجيات الصناديق إلى عاملين: الفوائض المالية الكبيرة من عائدات النفط، وتزايد القلق بشأن مستقبل الاقتصادات المعتمدة على الموارد النفطية. وأشار إلى أن النفط أصبح وسيلة لتمويل التحول نحو أنشطة إنتاجية جديدة، لا غاية نهائية للسياسات الاقتصادية.
66 مليار دولار استثمارات في الذكاء الاصطناعي خلال 2025
كشف غرايبة أن إجمالي الاستثمارات العالمية للصناديق السيادية في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية بلغ نحو 66 مليار دولار خلال 2025، استحوذت الصناديق الخليجية على 43% منها. وأوضح أن هذه النسبة تعكس حجم الحضور الخليجي في القطاعات التكنولوجية المتقدمة والتوجه نحو امتلاك مواقع استراتيجية في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ثلاثة نماذج خليجية متباينة
استعرض غرايبة ثلاثة نماذج استثمارية خليجية:
أبوظبي: تركز على امتلاك حصص في البنية التحتية التكنولوجية العالمية عبر صندوق MGX المدعوم من مبادلة وG42، الذي أغلق في يوليو 2026 صندوقًا بقيمة 49 مليار دولار للذكاء الاصطناعي، وصف بأنه الأكبر عالميًا. وشمل استحواذ تحالف يضم MGX وبلاك روك ومايكروسوفت وإنفيديا على شركة Aligned Data Centers بقيمة 40 مليار دولار في أكتوبر 2025، بما يشمل أكثر من 50 مركز بيانات في الأمريكتين.
السعودية: تتبنى نموذج بناء القدرات التكنولوجية محليًا عبر شركة HUMAIN، التي وقعت اتفاقيات بنحو 23 مليار دولار مع إنفيديا وAMD وأمازون ويب سيرفيسز، وتستهدف بناء مراكز بيانات بقدرة 1.9 جيجاواط بحلول 2030.
قطر: تتجه عبر Qai لاستثمار 20 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي دون التركيز على تطوير نماذج أساسية.
أكد غرايبة أن اختلاف التوجهات يؤكد ضرورة تجنب التعامل مع الصناديق السيادية الخليجية كنموذج واحد، فـ ADIA يعمل كأداة ادخار، ومبادلة تركز على التنمية المحلية والشراكات الدولية، وجهاز قطر للاستثمار يتحرك وفق استراتيجية مختلفة.
من حفظ الثروة إلى تمويل التنمية
أوضح أن الدور الاقتصادي يشهد تحولًا نحو المشاركة المباشرة في تمويل التنمية عبر تمويل المشروعات الكبرى، والاستثمار في الشركات المحلية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء شراكات لنقل التكنولوجيا. وشدد على أن تحقيق التنمية يتطلب تكامل المسارين المحلي والخارجي، لا المفاضلة بينهما.
مخاطر التركيز الاستثماري
حذر من أن التوسع في قطاعات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية قد يرفع مخاطر التركيز الاستثماري، عندما يرتبط الصندوق بمراحل متعددة من النشاط الاقتصادي نفسه (أسهم في شركات الذكاء الاصطناعي، مراكز بيانات، مشروعات طاقة). ولفت إلى تحذير مجلس الاستقرار المالي في مايو 2025 من مخاطر التعرض المكثف للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، واحتمالات تكبد خسائر كبيرة إذا تجاوز المعروض الطلب.
القيود الجيوسياسية والتنظيمية
أشار إلى أن إدارة المخاطر تمتد إلى التوترات الجيوسياسية والتحولات التنظيمية. واستشهد بصفقة Aligned Data Centers التي تتطلب موافقات تنظيمية أمريكية، وباتفاق مايكروسوفت مع G42 في 2024 (استثمار 1.5 مليار دولار) الذي ارتبط باشتراطات أمريكية شملت التخلي عن الشراكات الصينية وإزالة معدات هواوي والالتزام ببروتوكولات أمنية أمريكية. وأكد أن النفوذ المالي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي، وقد يتطلب تقديم تنازلات تنظيمية.
مؤشرات قياس النجاح الحقيقي
شدد غرايبة على التمييز بين امتلاك الثروة والقدرة على صناعتها. واقترح مؤشرات قابلة للقياس: معدلات نمو القطاعات غير النفطية ومساهمتها في الناتج المحلي، عدد الوظائف النوعية، انتقال التكنولوجيا والمعرفة، اندماج الشركات المحلية في سلاسل الإنتاج العالمية، وحجم الاستثمارات الخاصة التي تنجح المشروعات السيادية في جذبها.
اختتم بالتأكيد على أن المعيار الحاسم يتمثل في مقارنة معدل نمو الصادرات غير النفطية بمعدل نمو أصول الصناديق السيادية. إذا لم تنمُ الصادرات غير النفطية بمعدل يتجاوز نمو الأصول، فإن ذلك يثير تساؤلات حول مدى نجاح تحويل الريع النفطي إلى قاعدة إنتاجية مستدامة.



