أثار تصريح المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، العميد حسين محبي، الذي هدد فيه بتحويل "الأراضي المحتلة إلى أرض محروقة" وجعل "مغتصبيها مشرّدين في صحراء سيناء"، تساؤلات حول دلالات استدعاء سيناء في الخطاب الإيراني الموجه لإسرائيل.
سياق التصريح والتصعيد المتبادل
نشر محبي التصريح عبر منصة "إكس" في 19 أكتوبر الحالي، في سياق تصاعد التهديدات المتبادلة بين طهران وتل أبيب بشأن استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الاستراتيجية. ورغم أن الظاهر يشير إلى تهديد جديد ضمن الخطاب التصعيدي المعتاد، فإن التدقيق في الصياغة يكشف أن الجغرافيا المستدعاة هي العنصر الأكثر إثارة للاهتمام.
فرق جوهري في الخطاب
يوجد فرق كبير بين تهديد إيران بتدمير إسرائيل أو إلحاق خسائر فادحة بها، وبين الحديث عن دفع الإسرائيليين نحو صحراء سيناء. في الحالة الأولى يبقى الخطاب محصورًا في المواجهة المباشرة، أما في الثانية فتظهر سيناء كجزء من تصور يتعلق بمآلات الصراع، رغم أن مصر ليست طرفًا مباشرًا فيه.
إيحاءات سياسية غير مريحة
التصريح لا يرقى إلى مستوى التهديد المباشر لمصر، ولا توجد مؤشرات تعتبره إعلانًا عن نوايا إيرانية تجاه الأراضي المصرية. لكنه يحمل إيحاءً ضمنيًا يتمثل في إدراج سيناء ضمن مشهد الصراع الإقليمي ونتائجه المحتملة، وهو ما يستحق التوقف والتحليل.
سيناء في الذاكرة الأمنية
تزداد أهمية هذا الاستدعاء في سياق تاريخي؛ فسيناء ارتبطت خلال العقدين الماضيين بملفات أمنية معقدة، وتحمل إرثًا من التفاعلات المرتبطة بمحاولات الحرس الثوري توظيف الورقة الفلسطينية لصالح الأجندة الإقليمية، منذ سيطرة حماس على غزة عام 2007.
قضية سامي شهاب و"قسم مصر"
تبرز قضية سامي شهاب ("خلية حزب الله" عام 2009) كأحد أهم القضايا التي كشفت طبيعة الاهتمام التنظيمي الذي أولته شبكات مرتبطة بمحور إيران للساحة المصرية. ضمت القضية 26 متهمًا من جنسيات مختلفة، بينهم 18 مصريًا و5 فلسطينيين ولبنانيان وسوداني واحد.
الأهمية الحقيقية كانت في البنية التنظيمية المكشوفة؛ فسامي شهاب (محمد يوسف منصور) كان قائدًا ميدانيًا، بينما الشخصية الأبرز كانت القيادي في فيلق القدس محمد قبلان، الذي شغل منصب "رئيس قسم مصر" داخل وحدة "دول الطوق" التابعة لحزب الله. وجود موقع تنظيمي باسم "قسم مصر" يعكس اهتمامًا مؤسسيًا بالساحة المصرية يتجاوز الصورة التي اختزلت القضية في بعدها الفلسطيني.
شملت المهام المنسوبة للشبكة جمع معلومات عن حركة السفن في قناة السويس، ورصد منشآت سياحية في سيناء، ومراقبة أهداف مرتبطة بالسياح الأجانب، واتهامات بتصنيع متفجرات وتهريب أفراد ومعدات إلى غزة.
خلايا سابقة وارتباطات إقليمية
لم تكن قضية سامي شهاب حالة منفصلة؛ فقبلها ألقي القبض على القيادي في حماس أيمن نوفل بعد تسلله إلى سيناء عبر الأنفاق، وسط اتهامات بإنشاء مخازن سلاح وشبكات دعم في شمال سيناء. وفي أغسطس 2015، ضُبط أربعة من وحدة الكوماندوز البحري للقسام داخل سيناء، في طريقهم للالتحاق بأفراد تابعين للحرس الثوري في لبنان، ما عكس استمرار مسارات الارتباط بين فصائل غزة والبنية الإقليمية التي تقودها إيران.
ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟
استدعاء السوابق لا يعني القفز إلى استنتاج بتحرك إيراني وشيك في سيناء؛ الرسالة الأساسية ما زالت موجهة لإسرائيل. لكن الفارق الجوهري أن سيناء كانت تُذكر قبل 17 عامًا في سياق التهريب والدعم اللوجستي وارتباطات غزة الأمنية، بينما تستدعى اليوم في سياق إقليمي مختلف يرتبط بأمرين: مستقبل غزة وسيناريوهات تهجير سكانها إلى سيناء وفق خطاب اليمين الإسرائيلي، والصراع الإيراني-الإسرائيلي وتهديد إيران بتهجير سكان إسرائيل إلى صحراء سيناء.
قراءة متوازنة دون تهويل أو تهوين
القراءة المتوازنة لا تعتبر التصريح مؤشرًا على نوايا إيرانية مؤكدة تجاه سيناء، ولا تتجاهل دلالته السياسية. مجرد عودة سيناء للظهور داخل الخطاب المرتبط بالمواجهة الإيرانية-الإسرائيلية يمثل تطورًا يستحق الرصد والمتابعة الدقيقة، خصوصًا في لحظة تتداخل فيها خرائط الحرب مع خرائط الجغرافيا وتصورات التهجير ومستقبل غزة.
الدلالة الأهم ليست تهديد مصر مباشرة، بل الإشارة الضمنية بأن سيناء أصبحت جزءًا من المخيال الاستراتيجي للصراع الإقليمي، وأن أي حديث عن مستقبل إسرائيل أو غزة بات يستحضر مصر حتى عندما تكون الرسالة موجهة لإسرائيل لا للقاهرة. وهذه بحد ذاتها إشارة تستحق المتابعة.



