أكد الدكتور محسن دهشان، الخبير واستشاري جودة التعليم والتطوير المؤسسي ورئيس فريق المراجعة الخارجية بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، أن منظومة التعليم في مصر قطعت نحو 60% من طريق التمكين الحقيقي ومهارات المستقبل، وذلك خلال جلسات محور بناء الإنسان في منتدى مصر 2026.
بين الإتاحة الكمية والجودة الكيفية
أوضح دهشان أن الجهود الأخيرة أثمرت نتائج ملموسة في ملف الإتاحة الكمية، حيث انخفضت كثافات الفصول في قطاعات واسعة، وارتفعت معدلات انتظام الحضور الفعلي للطلاب بفضل آليات التقييم والمتابعة المستمرة. غير أن التقييم الموضوعي يضع نسبة تحقق الجودة الشاملة اليوم عند نحو 55% إلى 60%، إذ لا تزال هناك فجوة بين الحضور والانضباط وبين كفاءة وقت التعلم الكيفي.
مناهج تتطلع للمستقبل وثقافة تجر للوراء
قطع قطار تطوير المناهج شوطاً كبيراً باتجاه بناء المهارات بدلاً من التلقين، مستنداً إلى الإطار القومي القائم على الكفايات؛ حيث أُدخلت مفاهيم البرمجة والتفكير الحاسوبي والاستدامة البيئية في المراحل المبكرة، إلى جانب إتاحة المسارات المتعددة والبكالوريا المصرية. أظهرت التقييمات الميدانية أن أجيال النشء الجديدة باتت تمتلك طلاقة أكبر في التعبير والبحث الرقمي وحل المشكلات، لكن هذا التحول يصطدم أحياناً بالمقاومة المجتمعية في المراحل الثانوية، حيث لا تزال ثقافة الدرجة وحفظ نموذج الإجابة تهيمن على وعي أولياء الأمور والطلاب.
المعلم.. الكتلة الحرجة وفجوة التطبيق الميداني
يظل المعلم الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي، ورغم إطلاق برامج تدريبية مكثفة بالتعاون مع الأكاديمية المهنية للمعلمين والمنصات الحديثة، تظهر الميدانيات وجود فجوة نقل تدريبي بين المادة النظرية التي يتلقاها المعلم وبين ممارساته اليومية داخل الصف. تعود هذه الفجوة إلى كبر حجم الفصول أحياناً، والضغط الإداري، وكثافة المقررات. المطلوب اليوم لم يعد مجرد إعطاء دورات تدريبية سريعة، بل اعتماد برامج المعايشة والمرافقة الميدانية داخل الفصول، وربط التنمية المهنية للمعلم بمدى نمو التعلم الحقيقي لدى طلابه.
الشراكات الخارجية وسوق العمل: النقطة المضيئة
تجلى أبرز النجاحات الوطنية في ملف الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية. المدارس التكنولوجية التطبيقية قدمت نموذجاً ملهماً في ربط التعليم بالصناعة، وسجلت نسب توظيف فورية لخريجيها تجاوزت 85%، مما أعاد الاعتبار للتعليم الفني والتقني. كما شكلت المدارس اليابانية والدولية الحكومية نماذج معيارية نقلت الممارسات المتقدمة في الجودة والأنشطة إلى بيئة التعليم العام، مؤكدة أن ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الحديثة في مجالات البرمجيات واللوجستيات والطاقة المتجددة لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو المسار الوحيد لتحقيق التنمية المستدامة.



