تحولت دعوة أطلقها شاب مجهول على منصة «تيك توك» إلى موجة احتجاجات واسعة شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر 2026، شارك فيها مئات الآلاف وتخللتها أعمال عنف وتخريب، ليجد صاحب الدعوة نفسه متهمًا بإشعال الفوضى رغم تراجعه عن تنظيم المظاهرة قبل أسابيع من موعدها.
بداية الدعوة عبر تيك توك
في 7 سبتمبر 2026، نشر شاب يُعرف باسم «V2» مقطع فيديو على «تيك توك» يعبر فيه عن غضبه من ارتفاع أسعار الوقود، مقترحًا يوم السبت 17 أكتوبر موعدًا للاحتجاج. برر الشاب اختياره لهذا اليوم بمصادفته عطلة نهاية الأسبوع وبداية الإجازات المدرسية، ما يتيح مشاركة أكبر. انتشر المقطع بسرعة مصحوبًا بوسوم مرتبطة بأسعار المحروقات وحركة «السترات الصفراء» التي هزت فرنسا عام 2018.
انتشار الدعوة وتقاطعها مع احتجاجات أخرى
وفقًا لتحقيق نشرته صحيفة «لوموند» في 16 سبتمبر، كانت الحسابات الأولى التي روجت لموعد 17 أكتوبر تشير في معظمها إلى فيديو «V2»، رغم عدم وجود صلة معروفة بينه وبين قيادات السترات الصفراء أو أي تنظيم سياسي. أعلن الشاب لاحقًا تراجعه عن تنظيم المظاهرة «في الوقت الحالي» دون تفسير واضح، لكن الدعوة لم تتوقف بل انتقلت إلى حسابات أخرى، والتقت مع احتجاجات طلابية للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة، وتحركات نقابية.
رصدت شركة «فيزيبراين» المتخصصة في متابعة منصات التواصل نحو 460 ألف منشور متعلق بيوم 17 أكتوبر منذ 27 سبتمبر، بينما حصدت مقاطع «تيك توك» المرتبطة بالموعد نحو 132 مليون مشاهدة تراكمية. ساهمت حسابات حديثة الإنشاء أو معاد تسميتها في تضخيم الدعوة لزيادة متابعيها.
يوم 17 أكتوبر.. مظاهرات حاشدة وأعمال عنف
في 17 أكتوبر، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع الفرنسية؛ قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين. شهدت المظاهرات مشاركة طلاب ونقابيين ومحتجين من السترات الصفراء، وظهرت تسمية جديدة هي «السترات الشابة» للإشارة إلى التقارب بين المحتجين القدامى والطلاب. تخللت بعض التجمعات مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب، خصوصًا في باريس ومدن فرنسية أخرى.
صاحب الدعوة يدافع عن نفسه وينفي مسؤولية العنف
في 18 أكتوبر، عاد «V2» للظهور على «تيك توك» للرد على من حمّلوه مسؤولية أعمال العنف. تساءل عن سبب تداول اسمه باعتباره مسؤولًا عما جرى، مؤكدًا أنه ليس المتسبب في تراجع القدرة الشرائية، ولم يطلب من أحد نهب متاجر أو إحراق حاويات أو الاعتداء على قوات مكافحة الشغب. أوضح أن دعوته كانت تستهدف تنظيم مظاهرة قانونية، وليس ارتكاب أعمال تخريب، في مقطع تجاوز مليوني مشاهدة. لم تتضمن تصريحاته اعتذارًا عن المطالب الاقتصادية، وإنما محاولة للفصل بين الحق في الاحتجاج والعنف الذي رافق بعض المظاهرات.
مفارقة التأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي
تكشف حكاية «V2» عن مفارقة تتجاوز الاحتجاجات الفرنسية؛ فوسائل التواصل تمنح شخصًا مجهولًا القدرة على إطلاق دعوة تصل إلى ملايين المستخدمين، لكنها لا تمنحه سلطة التحكم في مصيرها بعدما تنتشر. اقترح الشاب موعدًا ثم تراجع، لكن الموعد أصبح ملكًا لحسابات ومجموعات وحركات احتجاجية متعددة، لكل منها مطالبها ودوافعها. تزامن انتشار الدعوة مع غضب اقتصادي واجتماعي قائم، واحتجاجات طلابية مستقلة، وعودة نشاط بعض مجموعات السترات الصفراء. مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2027، أظهرت احتجاجات أكتوبر كيف يمكن لدعوة بلا قيادة مركزية أن تتحول إلى موعد سياسي كبير، بينما وجد صاحب الفيديو نفسه أمام نتيجة لم يكن قادرًا على التحكم فيها.



