حذرت الكاتبة والمؤرخة د. منال إمام من تحول التكنولوجيا من وسيلة للتواصل إلى حاجز يمنع التقارب الحقيقي داخل الأسرة، مشيرة إلى أن الجلوس تحت سقف واحد لم يعد كافيًا لصنع الألفة ما لم يصاحبه حضور حقيقي وحوار صادق.
مفارقة القرب والبعد
تصف الكاتبة مشهدًا مألوفًا: أسرة تجتمع حول مائدة واحدة، لكن كل فرد منغمس في هاتفه، تتنقل أصابعه بين الرسائل ومواقع التواصل، بينما تمر الدقائق دون حديث حقيقي، ودون أن يسأل أحد الآخر عن يومه أو همومه. وتعتبر أن هذه المفارقة تستحق التأمل، فالتكنولوجيا التي أتاحت التواصل مع من يفصلهم آلاف الأميال، أعجزت أحيانًا عن التواصل مع من يجلس على بعد خطوات.
ضغوط الحياة وتغير الأدوار
ترجع الكاتبة جزءًا من المشكلة إلى تغير نمط الحياة؛ فالأب مثقل بأعباء العمل، والأم تواجه أدوارًا متعددة، والأبناء يعيشون بين ضغوط الدراسة والعالم الرقمي. وتؤكد أن تحميل جيل بعينه المسؤولية أو اتهام الشباب وحدهم بإدمان الهواتف ليس من العدل، فالآباء أنفسهم يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات للعمل أو التصفح.
عندما يصبح الهاتف حاجزًا
تبدأ المشكلة الحقيقية -بحسب المقال- حين يتحول الهاتف من أداة تواصل إلى جدار عازل، ويصبح الانشغال بالعالم الخارجي أهم من الالتفات لمن ينتظرون كلمة أو اهتمامًا داخل البيت. هذا يخلق فجوة بين الأجيال لا لغياب المحبة، بل لاختلاف طرق التعبير عنها؛ الآباء يحتاجون للشعور بالقرب، والأبناء يحتاجون لمن يسمعهم دون محاكمة.
جسور التواصل بالاحترام والاستماع
ترى الكاتبة أن بناء الجسور لا يتم بالعتاب المستمر ولا باستدعاء الماضي، بل بالاقتراب الهادئ والاحترام المتبادل والاستعداد للاستماع حتى عند اختلاف وجهات النظر. ليس كل صمت عقوقًا، وليس كل سؤال تدخلًا؛ أحيانًا يكون الصمت انتظارًا لمن يبادر، والسؤال تعبيرًا عن محبة لا يجيد صاحبها صياغتها.
عادات بسيطة لاستعادة الدفء
تقترح الكاتبة خطوات عملية: ترك الهواتف جانبًا أثناء الطعام، تخصيص وقت يومي للحديث دون مقاطعة، سؤال الأبناء عن أحلامهم لا عن درجاتهم فقط، ومنح الآباء فرصة للحديث عن ذكرياتهم ومخاوفهم. وتؤكد أهمية فن الاستماع؛ فليس كل متحدث ينتظر نصيحة، وليس كل مبوِح بمشكلة يبحث عن حل فوري، أحيانًا يحتاج الإنسان فقط لمن يشعره بأهمية كلامه.
المناسبات العائلية والمساحة الآمنة
تحذر من تحول المناسبات العائلية إلى لقاءات شكلية تظل العيون فيها معلقة بالشاشات. العلاقات لا تستمر بمجرد القرابة، بل تحتاج رعاية يومية وكلمات صغيرة تصنع فارقًا كبيرًا. أجمل ما تقدمه الأسرة لأبنائها مساحة آمنة يتحدث فيها كل فرد دون خوف، ويختلف دون خصومة، ويخطئ دون أن يفقد انتماءه.
استعادة التوازن لا التخلي عن التكنولوجيا
تختم الكاتبة بالتأكيد أن المطلوب ليس التخلي عن التكنولوجيا ولا العودة للماضي، بل استعادة التوازن. العالم الافتراضي مهما اتسع لن يعوض دفء إنسان يجلس بجوارنا، أو كلمة صادقة في وقتها، أو يد تمتد عند الحاجة. تدعو لمنح الأحبة وقتًا وحضورًا حقيقيًا يشعرهم بأهميتهم، قبل أن يصبح القرب مجرد عنوان، والبيت مجرد مكان، والأسرة مجرد أشخاص تجمعهم الجدران.



