كتب: صهيب شمس
في تحول جذري وخطير لأساليب العمل للجماعات المتطرفة، لم يعد الاعتماد مقتصرًا على تنفيذ العمليات الإرهابية أو استقطاب عناصر جديدة بالطرق التقليدية. بل توسع النشاط ليشمل بناء ما يُعرف بـ”الحاضنة الشعبية”، وهي البيئة المجتمعية التي تؤمن دعمًا غير مباشر للجماعات من خلال التعاطف، أو التبرير، أو حتى السكوت.
حركة ميدان ودورها المتزايد
برزت هذه الظاهرة بوضوح في نموذج “حركة ميدان”، الذي تم تسليط الضوء عليه في مسلسل “رأس الأفعى”. حيث أكدت تفاصيل اعترافات الإرهابي المقبوض عليه، علي عبد الونيس، على استخدام آليات معقدة تهدف إلى إعادة تشكيل وعي قطاعات من المجتمع، خصوصًا الشباب. وتعتمد هذه الاستراتيجية على التأثير التدريجي، حيث لا يتم تقديم العنف بشكل مباشر في البداية، بل تُطرح قضايا مثل العدالة والحرية والحقوق في إطار نقدي يبدو مشروعًا.
إعادة صياغة الواقع عبر الإعلام
ومع تكرار هذا الخطاب، تُدخل الجماعات المتطرفة أفكارًا تبرر العنف كخيار اضطراري أو وسيلة وحيدة للتغيير. وحسب اعترافات عبد الونيس، فإن ما يُعرف بـ”مؤسسة ميدان” كانت الذراع الإعلامي والسياسي الذي يقوم بإنتاج محتوى رقمي موجه بعناية. فبدلاً من التحريض المباشر، يُقدم هذا المحتوى روايات بديلة تُعيد صياغة الواقع، وتظهر العناصر المنفذة في صورة “ضحايا” أو “مقاومين”، مما يسهم في خلق تعاطف أو على الأقل تقليل حدة الرفض المجتمعي.
البودكاست كأداة تجنيد ناعمة
برز البودكاست كأحد أبرز الأدوات في هذه الاستراتيجية، حيث تم إنتاج حلقات تحمل طابعًا تحليليًا أو حواريًا. لكن واقع الأمر أن هذه الحلقات كانت جزءًا من خطة أوسع لتمرير رسائل محددة بشكل غير مباشر. لم تعتبر هذه الحلقات مجرد محتوى عابر، بل كانت تمثل “الهندسة الفكرية”، التي تقوم على إعادة تفسير الأحداث وبناء سرديات تخدم أهداف التنظيم.
الإعلام كأداة استراتيجية
لقد تحول الإعلام هنا من مجرد وسيلة لنقل المعلومات إلى سلاح استراتيجي مُتكامل يُستخدم لتوجيه الرأي العام وإعادة تشكيل القناعات. وقد أدركت الجماعات المتطرفة أهمية هذا الدور، فعملت على تطوير أدواتها الإعلامية بما يتناسب مع طبيعة الجمهور المستهدف، خصوصًا في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية.
استهداف الشباب المهاري
أظهرت اعترافات عبد الونيس أن الاستراتيجية كانت تستهدف بشكل خاص فئة الشباب، وبالأخص أولئك الذين يمتلكون مهارات تقنية أو خلفيات ثقافية متنوعة. يهدف هذا الاستهداف إلى استقطاب كوادر قادرة على إدارة “الحرب الإعلامية” بالتوازي مع العمل الميداني. وبالتالي لم يكن الهدف فقط تجنيد أفراد جدد، بل خلق بيئة عامة تتقبل هذا الفكر، أو على الأقل لا ترفضه.
تراكم الرسائل وتأثيرها
يعتمد هذا النوع من التأثير على التراكم، حيث تُبنى القناعات تدريجيًا من خلال التعرض المستمر لنفس الرسائل، حتى وإن اختلفت طرق تقديمها. يؤدي هذا في النهاية إلى إعادة تشكيل الوعي بشكل غير مباشر، مما يحدث تأثيرًا أعمق وأوسع. وكلما زاد التفاعل مع هذا المحتوى، سواء عبر إعادة نشره أو إنتاج محتوى مشابه، تتسع دائرة التأثير، ويصبح من الصعب احتواء الرسائل.
يمكنك قراءة المزيد في المصدر.
لمزيد من التفاصيل اضغط هنا.