تواجه شركات التعدين العالمية ضغوطًا متزايدة على تكاليف الإنتاج والنقل مع الارتفاع الحاد في أسعار الديزل، في ظل اضطرابات إمدادات الطاقة المرتبطة بالتوترات في مضيق هرمز، ما يعيد تشكيل المنافسة في أسواق المعادن ويهدد هوامش أرباح الشركات.
شركات النحاس ترفع تقديرات التكاليف
رفعت شركتا "أنتوفاجاستا" و"كابستون كوبر" تقديراتها للتكاليف التشغيلية لإنتاج النحاس. عدلت "أنتوفاجاستا" نطاق تكاليف النقد للعام بأكمله إلى ما بين 2.60 و2.70 دولار للرطل، مقابل نطاق سابق بين 2.40 و2.60 دولار، عازية ذلك إلى ارتفاع أسعار الديزل عالميًا. أما "كابستون كوبر" فأعلنت ارتفاع تكاليف النقد من الفئة الأولى (C1) خلال الربع الثاني بنسبة 15% على أساس سنوي، لتصل إلى 2.82 دولار للرطل، مدفوعة جزئيًا بزيادة نفقات الديزل وحمض الكبريتيك.
سجل منجم "مانتوس بلانكوس" التابع لـ"كابستون كوبر" أكبر زيادة، إذ قفزت تكاليف الفئة الأولى بنسبة 88% إلى 3.93 دولار للرطل، شاملة نحو 34 سنتًا للرطل نتيجة ارتفاع تكاليف التعدين، ولا سيما الديزل. في المقابل، أسهمت الإيرادات الناتجة عن الذهب المصاحب لإنتاج النحاس في منجم "مانتوفيردي" في خفض تكاليف الفئة الأولى بنسبة 16%، رغم أن ارتفاع أسعار الديزل أضاف 23 سنتًا للرطل إلى التكاليف.
قطاع الذهب يستفيد من الأسعار القياسية
في قطاع الذهب، وفرت الأسعار القياسية للمعدن الأصفر حماية نسبية لشركات التعدين من ارتفاع نفقات التشغيل. ارتفعت تكلفة إنتاج الذهب لدى شركة "باريك ماينينج" بنسبة 17% بين عامي 2025 و2026، ويعزى ذلك جزئيًا إلى زيادة تكاليف الوقود، غير أن الشركة تمكنت، بدعم من ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، من زيادة الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك المنسوبة إليها بنسبة 51% على أساس سنوي، لتصل إلى 2.55 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2026.
سجلت شركة "كينروس جولد" ارتفاع تكلفة المبيعات المرتبطة بالإنتاج خلال الربع الثاني من عام 2026 بنسبة 25%، لتصل إلى 1,352 دولارًا، مقابل 1,080 دولارًا، نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود، رغم زيادة هامش الربح بنسبة 42% إلى 3,131 دولارًا، مقارنة بـ2,204 دولارات خلال الربع المقابل من عام 2025.
تنوع الإيرادات يخفف أثر ارتفاع الوقود
حقق منجم "كاموا-كاكولا" للنحاس التابع لشركة "إيفانهو ماينز" في جمهورية الكونغو الديمقراطية أرباحًا قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بقيمة 385 مليون دولار خلال الربع الثاني، رغم ارتفاع تكلفة الديزل بما يعادل 18 سنتًا للرطل، مستفيدًا من ارتفاع أسعار النحاس وعوائد عمليات الصهر. أوضح روبرت فريدلاند، مؤسس الشركة ورئيسها المشارك، أن تأثير ارتفاع أسعار الديزل عالميًا على تكاليف التشغيل ظل محدودًا خلال الربع، مشيرًا إلى أن منشأة الصهر التابعة للشركة توفر حماية طبيعية من تقلبات الأسعار.
استفادت "إيفانهو ماينز" أيضًا من الإيرادات الإضافية في مجمع "كاموا-كاكولا"، إذ ساعدت مبيعات حمض الكبريتيك في تغطية تكاليف تشغيل منشأة الصهر خلال الربع، ما وفر مصدرًا إضافيًا لتعويض ارتفاع تكاليف الطاقة.
تكاليف النقل تهدد هوامش السلع الأولية
لا تقتصر الضغوط على إنتاج المعادن، بل تمتد إلى تكاليف نقل السلع الأولية السائبة. قالت شركة "ريو تينتو" إنها تستفيد من قرب عملياتها من الأسواق الآسيوية لزيادة شحنات خام الحديد إلى المنطقة، إذ تتطلب هذه المسارات استهلاكًا أقل للوقود مقارنة بشحنات المنافسين في أمريكا اللاتينية وإفريقيا. يجعل ذلك منتجي خام الحديد والسلع الأولية الأقل تحقيقًا لهوامش ربح أكثر تعرضًا لارتفاع تكاليف الطاقة مقارنة بمنتجي الذهب والنحاس.
مخاوف من تراجع أسعار المعادن واستمرار اضطرابات الإمدادات
حذر محللو شركة "تي دي كوين" من أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة قد يقوض المكاسب القياسية التي حققتها هوامش أرباح شركات التعدين، ويزيد الضغوط على توقعات التكاليف، على غرار ما حدث في عام 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. قدر المحللون ارتفاع التكاليف الشاملة المستدامة لإنتاج الذهب بنسبة 15% على أساس سنوي، إلى جانب زيادة إجمالي التكاليف الشاملة بنسبة 22%.
أشار تقرير لمجلس الذهب العالمي عن الربع الأول من عام 2026 إلى أن إغلاق مضيق هرمز أصبح مصدر قلق لقطاع التعدين، مع تفاوت تأثير ارتفاع أسعار الديزل بحسب المناطق الجغرافية، إذ ارتفعت الأسعار في الولايات المتحدة بنسبة 54%، بينما كادت أن تتضاعف في أستراليا. اضطرت بعض عمليات التعدين الأسترالية الصغيرة إلى تعليق أنشطتها بسبب قيود إمدادات الوقود، في حين كانت الشركات الكبرى أكثر قدرة على مواجهة هذه الضغوط.
حذر المجلس من احتمال تعرض قدرة القطاع على الصمود لاختبار جديد بعد تراجع أسعار الذهب من ذروتها المسجلة في يناير. وفي ظل عدم وجود جدول زمني واضح لاستئناف حركة شحنات النفط عبر مضيق هرمز بصورة طبيعية، يهدد استمرار ارتفاع أسعار الوقود بزيادة تكاليف التشغيل، لا سيما لدى الشركات التي لا تستفيد بدرجة كبيرة من ارتفاع أسعار المعادن الأعلى قيمة.
التحوط من تقلبات الوقود خيار مطروح
يرى محللو "تي دي كوين" أن شركات التعدين قد تدرس اللجوء إلى أدوات التحوط من تقلبات أسعار الوقود لحماية هوامش أرباحها، خصوصًا خلال مراحل تكثيف أعمال إزالة الطبقات الصخرية للوصول إلى الخامات، أو عند تنفيذ مشروعات إنشائية جديدة. من المتوقع أن تكشف نتائج الربع الثالث والنتائج السنوية المقبلة عن حجم التأثير المالي لارتفاع تكاليف الوقود، ومدى قدرة شركات التعدين على احتواء زيادة النفقات قبل أن تتجاوز المكاسب الناتجة عن ارتفاع أسعار المعادن.


