دعا محمود محيي الدين، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية، إلى وضع قواعد واضحة تحدد المؤسسات التي تستحق معاملة تفضيلية عند إعادة هيكلة ديون الدول، والشروط التي تحكم هذه الأولوية. ونشر محيي الدين مقالة على منصة "سبستاك" بالاشتراك مع الاقتصاديين مارتن جوزمان وجوزيف ستيجليتز وسارة الخشن، لطرح إطار لتحديد أولوية الدائنين في أزمات الديون السيادية.
مفهوم الدائن المفضل وإشكالياته
يرتكز مفهوم "وضع الدائن المفضل" على منح بعض الدائنين أولوية فعلية في السداد عند تعثر الدولة، وهو وضع يستند في الممارسة إلى ترتيبات غير رسمية، وليس إلى قاعدة قانونية موحدة تنظم جميع حالات إعادة هيكلة الديون السيادية. ويرى محيي الدين وشركاؤه أن غياب معايير واضحة لهذه الأولوية يثير إشكالية تتجاوز ترتيب استرداد الأموال، إذ يؤثر على قدرة المؤسسات المالية العامة على تقديم التمويل خلال الأزمات، وعلى توزيع الأعباء بين الدائنين التجاريين والثنائيين والمؤسسات متعددة الأطراف.
مخاطر الحماية غير المشروطة
يوضح المقال أن منح بعض المؤسسات المالية الدولية أولوية في السداد قد يؤدي إلى انتقال عبء أكبر من تخفيف الديون إلى الدائنين الآخرين، ومن بينهم المؤسسات الخاصة والدول الدائنة ثنائيًا، عندما تستثنى الجهات صاحبة الأولوية من عمليات إعادة الهيكلة. وفي المقابل، يدافع الكتاب عن أهمية هذه المعاملة بالنسبة إلى المؤسسات التي تواصل الإقراض في الأوقات التي تنحسر فيها مصادر التمويل الخاصة، بما يتيح للدول الحصول على السيولة اللازمة لتجنب تعديلات اقتصادية حادة قد تؤدي إلى تعميق الركود.
معايير مقترحة للأهلية
لا يدعو الكتاب إلى منح هذه الأولوية بصورة مطلقة، إذ يحذرون من أن الحماية غير المشروطة قد تشجع المؤسسات على تحمل مخاطر مفرطة، إذا افترضت أنها لن تتحمل نصيبًا من خسائر إعادة الهيكلة. ويقترحون ربط أهلية الحصول على وضع الدائن المفضل بمعايير قابلة للتحديد، تشمل الدور التنموي للمؤسسة، وطبيعة شروط التمويل، ومدى استمرارها في الإقراض خلال الأزمات، بجانب هيكل الملكية والحوكمة الذي يضمن عملها لتحقيق أهداف عامة ومتعددة الأطراف.
تمويل التجارة والسلع الأساسية
يمتد الطرح إلى تمويل التجارة، إذ يقترح الكتاب إمكان استثناء أشكال أساسية منه من عمليات إعادة هيكلة الديون، خصوصًا التمويل المرتبط بواردات الغذاء والوقود والأدوية. وتستند الفكرة إلى أن تمويل التجارة لا يقتصر أثره على العلاقة المالية بين المقرض والمقترض، بل يمتد إلى استمرار تدفقات السلع الأساسية، وتوفير رأس المال العامل للشركات، والحفاظ على سلاسل الإمداد والتجارة عبر الحدود.
نحو إصلاح نظام الديون السيادية
يخلص المقال إلى أن إصلاح نظام الديون السيادية يتطلب تعريفًا عمليًا لوضع الدائن المفضل، يحدد المؤسسات المؤهلة للحصول عليه وطبيعة التمويل الذي يستحق الحماية والشروط المرتبطة بهذه المعاملة. ويستهدف هذا الإطار، وفقًا للكتاب، تحقيق توازن بين حماية قدرة المؤسسات العامة على تمويل الدول خلال الأزمات، وضمان ألا تتحول الأولوية إلى امتياز غير مشروط يعفي بعض الدائنين من مراعاة المخاطر التي يتحملونها.



