تظهر المعطيات الميدانية والسياسية تمسك طهران بمواقفها الاستراتيجية رغم وطأة الحصار الاقتصادي الذي تقوده واشنطن، والذي تسبب في هبوط الإنتاج النفطي إلى النصف وتجميد الصادرات البحرية. ويرهن النظام الإيراني على خبرة عقود في التعايش مع العقوبات وإدارة الأزمات الداخلية، مستفيداً من تحول التكلفة الباهظة للعمليات الأمريكية إلى عبء سياسي ومالي يستنزف الخصوم.
أبعاد الحصار وتراجع الصادرات النفطية
أظهرت بيانات خدمة تتبع الملاحة البحرية "كبلر" أن شهر سبتمبر الماضي سجل سابقة هي الأولى من نوعها، حيث لم تشحن إيران أي كميات من النفط الخام من موانئها منذ بدء رصد الصادرات عام 2013، وكانت آخر عملية تحميل ناجحة في 25 أغسطس. ووفقاً للبيانات، انخفضت كميات النفط الخام المتبقية خارج نطاق الحصار الأمريكي إلى 45 مليون برميل بعد أن كانت 100 مليون برميل في يوليو، مما يرجح نفاد المخزون القابل للبيع بحلول نهاية أكتوبر إذا استمرت الوتيرة الحالية.
كما أشار مات سميث، مدير أبحاث السلع الأساسية في شركة "كبلر"، إلى أن حرمان طهران من منافذ البيع أدى لتراكم النفط المستخرج في المخازن البرية ليصل إلى 70 مليون برميل. وقد تراجع الإنتاج الكلي بمقدار النصف مقارنة بمستويات ما قبل الحرب ليستقر عند مليوني برميل يومياً، وهي كمية تكفي بالكاد لتغطية الاستهلاك المحلي.
المؤشرات الاقتصادية والتضخم في إيران
تعكس الأرقام الرسمية عمق الضرر الاقتصادي، حيث انكمش الاقتصاد بمعدل سنوي بلغ 10% في الفترة ما بين مارس ويونيو، وقفز التضخم السنوي إلى 90% الشهر الماضي، بمتوسط سنوي استقر عند 73%، وهو أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية. وأوضح عدنان مزاري، الزميل الأول في معهد "بيترسون" للاقتصاد الدولي، أن الإيرانيين يلجؤون لإنفاق السيولة النقدية فوراً على متطلبات المعيشة لتفادي تدهور قيمتها الشرائية، في ظل عجز الحكومة عن التمويل ولجوئها لطباعة النقود.
وقد تسبب تقليص الواردات في إغلاق المصانع وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما وصفه محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بأنه وضع اقتصادي من بين الأسوأ في تاريخ البلاد. ومع ذلك، يرى مزاري أن النظام السياسي والإجراءات الأمنية الصارمة توفر حماية من التداعيات الشعبية لهذا الدمار الاقتصادي.
شبكات الالتفاف وآليات الصمود
تستخدم طهران شبكات التفاف متطورة لإدارة مواردها، وتشمل هذه الأساليب نقل النفط براً إلى كازاخستان وروسيا، أو بحراً عبر بحر قزوين، بالإضافة إلى تمويه الشحنات بخلطها وإظهارها كنفط من دول أخرى، ونقل الخام بين السفن لتفادي الرصد. كما يتم تشغيل وكلاء سريين في دول مجاورة لإتمام معاملات مالية بالدولار والعملات المشفرة.
وفي سياق متصل، أشارت ميشيل بروهارد، رئيسة قسم السياسات والمخاطر الجيوسياسية في شركة "كبلر"، إلى امتلاك طهران مهارة في إدارة الدولة دون موارد، مما يمنع وصولها إلى نقطة الانهيار الحاسم. كما تفرض هذه المواجهة كلفة مالية باهظة على الأطراف كافة، حيث تخصص البحرية الأمريكية قدرات عسكرية ضخمة للحصار، بينما ترتفع تكاليف تشغيل ناقلات النفط العملاقة لتصل إلى 1.6 مليون دولار يومياً.


