لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية على ضفة قناة السويس، بل كانت ملحمة وطنية شاملة انعكست آثارها على كافة جوانب الحياة في مصر. وقد شهدت تلك الفترة حالة استثنائية من التماسك المجتمعي، تجلت في تراجع ملحوظ لمعدلات الجريمة، مما عكس اصطفاف الشعب خلف القوات المسلحة ودور الشرطة في تأمين الجبهة الداخلية.
انخفاض ملحوظ في معدلات الجريمة
كشفت سجلات تاريخية أن الفترة من 6 إلى 21 أكتوبر 1973 شهدت انخفاضاً كبيراً في أنواع مختلفة من الجرائم مقارنة بالعام السابق. فقد تراجعت جنايات السرقة الكبرى بنسبة تقارب 40%، وانخفضت جرائم النشل بأكثر من 45%، بينما سجلت جرائم القتل تراجعاً بنسبة 25%. ومن اللافت أن مدينة القاهرة خلت تماماً من جرائم النشل في اليوم الثاني للقتال، الموافق 7 أكتوبر 1973.
تأمين الجبهة الداخلية والدور الأمني
بينما كانت القوات المسلحة تخوض معارك العبور، عملت وزارة الداخلية على تأمين المدن والمنشآت الحيوية والمرافق. وقد وضع وزير الداخلية آنذاك، اللواء ممدوح سالم، خطة مبكرة لتأمين البلاد، شملت تدريبات قتالية لعناصر الأمن المركزي للتعامل مع مهام الكمائن والإغارة ومواجهة التهديدات المحتملة. وعقد اجتماع موسع قبل اندلاع الحرب بأربعة أيام لوضع خطط التأمين، تلاها انتشار واسع لقوات الشرطة لتأمين الطرق والمدن، مع تركيز خاص على مدن القناة.
تلاحم الشرطة والمقاومة في مدن القناة
برز الدور الأمني بشكل مكثف في مدن القناة، حيث تحولت الشرطة إلى جزء أصيل من منظومة الدفاع. ففي الإسماعيلية، شاركت قوات الأمن المركزي في تأمين المدينة، بينما شهدت السويس تلاحماً كبيراً بين رجال الشرطة والمقاومة الشعبية لمواجهة القوات الإسرائيلية. وساهمت الشرطة في تنظيم الدفاع الشعبي، كما استعدت أجهزة الإطفاء والإنقاذ لمواجهة آثار الغارات، ووفرت مخازن الشرطة الأسلحة والذخائر للمتطوعين للدفاع عن المدينة.
الوطنية كسلوك يومي
أثبتت أحداث أكتوبر أن التماسك الوطني لم يكن مجرد شعارات، بل تحول إلى سلوك يومي جسده المواطنون والشرطة والجنود. فقد كان الانضباط والتكاتف داخل المجتمع سنداً حقيقياً للجبهة العسكرية، مما جعل من تلك الحقبة نموذجاً استثنائياً لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود والتماسك في مواجهة الخطر.


