إخباري 24 نيوز

رئيس مجلس الإدارة: أحمد همام

رئيس التحرير: عادل البكل

مقالات

عندما تهزم الكلمة الرصاص: محطات من التاريخ

عندما تهزم الكلمة الرصاص: محطات من التاريخ
مقالات · ٠٨:٥٩:٢٣ - الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦

تمتلك الكلمات قوة خارقة تتجاوز كونها مجرد أصوات عابرة، فهي كائنات حية قادرة على إقامة دول أو هدم عروش، وتحويل الهزيمة إلى نصر والعكس صحيح. والتاريخ البشري حافل بالشواهد التي تؤكد أن خلف كل تحول جذري في مصير الأمم، تقف دائماً "كلمة" كانت أثقل من الرصاص وأبقى في الذاكرة.

البرازيل.. سقطة بولسونارو وصعود لولا

في الانتخابات الرئاسية البرازيلية، كادت كلمة واحدة أن تقلب الموازين رأساً على عقب؛ حين استخف "فلافيو بولسونارو" بمنافسه "لولا دا سيلفا" قائلاً: "أنت تعطي الشعب بيدك اليسرى ثم تعود لتأخذ منهم بأصابعك التسع"، في إشارة إلى يد لولا المبتورة. لم تكن تلك مجرد مناكفة انتخابية، بل محاولة لاحتقار كفاح رجل خرج من قاع المجتمع، فتحولت السخرية إلى شعلة أيقظت تعاطف الملايين، والتفوا حول "سيلفا" لتتغير بوصلة الانتخابات لصالحه، مثبتة أن للكلمات وقعاً أقوى من الرصاص.

روما القديمة.. طعنة بروتوس تسقط قيصر

في عام 44 قبل الميلاد، لم تكن خناجر المتآمرين وحدها هي التي قتلت الإمبراطور "يوليوس قيصر" داخل مجلس الشيوخ، بل كانت طعنة الخيانة من "ماركوس بروتوس" الشاب الذي رعاه قيصر كابن له. وحين نظر قيصر في عيني بروتوس، نطق بعبارته الخالدة: "حتى أنت يا بروتوس"، ليعلن بسقوط الثقة وانهيار عصر كامل، ويدخل روما في حروب أهلية طاحنة.

فرنسا.. كعك ماري أنطوانيت يشعل الثورة

في أواخر القرن الثامن عشر، وحين كان الشعب الفرنسي يئن تحت وطأة الجوع، نسبت الأدبيات السياسية للملكة "ماري أنطوانيت" رداً متعالياً: "دعهم يأكلون كعكاً". سواء قيلت حرفياً أم وصفت روح الطبقة الحاكمة، فقد كانت هذه العبارة المسمار الأخير في نعش النظام الإقطاعي، وأشعلت غضب الجياع الذي لم يهدأ إلا باقتحام سجن الباستيل وإسقاط العرش.

غاندي.. العراء الحقيقي في الاستبداد

عندما زار "مهاتما غاندي" لندن في ثلاثينيات القرن العشرين مرتدياً ثوبه البسيط، سأله صحفي بريطاني باستهزاء عن عدم ارتداء ملابس تليق بلقاء الملك. جاء رد غاندي مدوياً: "رأيت عرى شعبي"، ليُعيد تعريف الكرامة الإنسانية مؤكداً أن العراء الحقيقي ليس في الجسد بل في الاستبداد، وكانت تلك الكلمات خطوة معنوية هدمت أركان الإمبراطورية دون إطلاق رصاصة واحدة.

تبقى هذه المحطات التاريخية شاهدة على أن الإنسان، مهما بلغت سلطته، يظل أسيراً لكلماته. فالكلمات الخارجة من رحم المعاناة تظل أقوى من الجيوش؛ لأنها تستقر في ذاكرة الشعوب وتصنع وعيها، ولتحذر السلطة من أن الكلمة المستخفة لغم موقوت قد ينسف كل مجد في لحظة صدق مع التاريخ.

شارك الخبر: