كشفت مراجعة بحثية نشرتها مجلة «ساينس أدفانسز» عن مفارقة في حركة الأمراض التي ينقلها البعوض؛ فبينما نجحت جهود المكافحة والعلاج في خفض معدلات الإصابة بالملاريا على مدار سنوات طويلة، شهدت حمى الضنك انتشارًا متزايدًا ووصولًا إلى مناطق جديدة لم تكن تسجل وجودًا مستمرًا للمرض من قبل.
تأثير التغير المناخي والحرارة
تعد درجة الحرارة من أهم العوامل المؤثرة في نشاط البعوض وقدرته على نقل العدوى، حيث تساهم درجات الحرارة المناسبة في سرعة نمو الحشرة ونشاطها، وتسرع نمو الطفيليات والفيروسات داخل جسمها. ومع ذلك، فإن ارتفاع الحرارة لا يعني بالضرورة زيادة مستمرة في انتقال المرض، إذ لكل نوع من البعوض نطاق حراري محدد قد تتراجع بعده قدرته على البقاء.
وقد أشارت المراجعة إلى أن الظروف المناخية الملائمة لانتقال حمى الضنك توسعت بصورة أكبر من الملاريا خلال العقود الماضية، حيث ارتفعت المساحات التي توفر ظروفًا مناسبة للبعوض الناقل للضنك بشكل ملحوظ.
المدن والبيئات الحضرية وحمى الضنك
يبرز التوسع العمراني كعامل اختلاف جوهري بين المرضين؛ فبعوض «الأيديس» الناقل لحمى الضنك يمتلك قدرة عالية على العيش بالقرب من الإنسان، حيث يضع بيضه في أوعية وخزانات وإطارات وأماكن صغيرة تتجمع فيها المياه داخل المدن. وتزداد هذه الفرص مع زيادة عدد السكان وتوسع المدن، خاصة في ظل عدم كفاية خدمات المياه والصرف وإدارة المخلفات.
وفي المقابل، ارتبط انتقال الملاريا تاريخيًا بالمناطق الريفية، رغم أن بعض أنواع البعوض الناقلة لها بدأت تتكيف مع البيئات الحضرية، مما يجعل المدن عرضة للخطر أيضًا.
دور الأمطار والجفاف في انتشار العدوى
تلعب الأمطار والرطوبة دورًا مزدوجًا في انتشار الأمراض؛ فالأمطار توفر بيئات لتكاثر البعوض، لكن الأمطار الغزيرة جدًا قد تجرف البيض واليرقات. أما الجفاف، فقد يدفع السكان لتخزين المياه في أوعية مختلفة، مما يخلق بؤرًا جديدة لتكاثر البعوض. كما تزيد الكوارث المناخية والفيضانات من المخاطر نتيجة نزوح السكان وتضرر المنازل وتعطل الخدمات الصحية.
تحديات المكافحة والمستقبل
حققت الملاريا انخفاضًا في معدلات الإصابة عالميًا من 79 حالة لكل ألف شخص معرض للخطر في عام 2000 إلى 59 حالة في عام 2015، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 64 حالة في عام 2024. ويعود هذا التراجع إلى برامج الوقاية مثل استخدام الناموسيات المعالجة، ورش المنازل، وتوفر الأدوية والخدمات الصحية.
أما حمى الضنك، فتواجه تحديات مختلفة، منها نشاط البعوض الناقل لها خلال النهار، مما يقلل من فعالية الناموسيات التقليدية. كما ساهمت حركة البشر والسفر والتجارة في وصول الفيروس إلى مناطق جديدة. وتتوقع النماذج البحثية أن عدد الأشخاص في المناطق المعرضة لخطر المرضين قد يرتفع بحلول عام 2070 مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، مع التأكيد على أن المستقبل سيتحدد بعوامل إضافية مثل مستوى التحضر، والنمو السكاني، وجودة الرعاية الصحية، ومقاومة المبيدات.



